تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
المكذبة قبلهم ، ففعلنا بهم ما هو دأبنا أي عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل ، الكافرين بآيات اللّه
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
أي بسبب ذنوبهم أهلكهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر ،
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ
أي لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 53 إلى 54 ]

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ( 54 ) يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد ، إلا بسبب ذنب ارتكبه ، كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
[ الرعد : 11 ] وقوله
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ
أي كصنعه بآل فرعون وأمثالهم ، حين كذبوا بآياته ، أهلكهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم ، من جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم ، ونعمة كانوا فيها فاكهين ، وما ظلمهم اللّه في ذلك بل كانوا هم الظالمين .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 57 ]

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) أخبر تعالى : أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون ، الذين كلما عاهدوا عهدا نقضوه ، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه ،
وَهُمْ لا يَتَّقُونَ
أي لا يخافون من اللّه في شيء ارتكبوه من الآثام ،
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ
أي تغلبهم وتظفر بهم في حرب ،
فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
أي نكل بهم ، قاله ابن عباس والحسن البصري والضحاك والسدي وعطاء الخراساني وابن عيينة ، ومعناه غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلا ، ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم ، ويصيروا لهم عبرة ،
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
وقال السدي : يقول : لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 58 ]

وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) يقول تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ
قد عاهدتهم
خِيانَةً
أي نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود ،
فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ
أي عهدهم
عَلى سَواءٍ
، أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم ، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم ، وهم حرب لك ، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء ، أي تستوي أنت وهم في ذلك ، قال الراجز : [ رجز ]
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 69 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين