تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
يخرج من إل . وذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة وكان صديقا له في الجاهلية وكان عمرو لم يسلم بعد فقال له مسيلمة : ويحك يا عمرو ماذا أنزل على صاحبكم يعني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه المدة ؟ فقال : لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة فقال : وما هي ؟ فقال
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
[ العصر : 1 - 2 ] إلى آخر السورة ففكر مسيلمة ساعة ثم قال وأنا قد أنزل عليّ مثله فقال وما هو فقال يا وبر يا وبر ، إنما أنت أذنان وصدر ، وسائرك حفر نقر . كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : واللّه إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب . فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد صلى اللّه عليه وسلم وصدقه ، وحال مسيلمة لعنه اللّه وكذبه ، فكيف بأولي البصائر والنهى ، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجا ، ولهذا قال تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ الأنعام : 93 ] وقال في هذه الآية الكريمة
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
[ الأنعام : 21 ] وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل . وقامت عليه الحجج ، لا أحد أظلم منه كما جاء في الحديث « أعتى الناس على اللّه رجل قتل نبيا أو قتله نبي » « 1 » .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 18 إلى 19 ]

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع اللّه غيره ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند اللّه فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئا ، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ولا يكون هذا أبدا ولهذا قال تعالى :
قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
. وقال ابن جرير « 2 » : معناه أتخبرون اللّه بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض ؟ ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان فبعث اللّه الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 407 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 542 .