تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر من الأسرار والخواطر ، فقال
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ
أي كونوا قوامين بالحق للّه عز وجل ، لا لأجل الناس والسمعة ، وكونوا
شُهَداءَ بِالْقِسْطِ
أي بالعدل لا بالجور ، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال : نحلني أبي نحلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فجاءه ليشهده على صدقتي ، فقال « أكل ولدك ، نحلت مثله ؟ » قال : لا ، فقال « اتقوا اللّه واعدلوا في أولادكم » . وقال « إني لا أشهد على جور » قال : فرجع أبي فرد تلك الصدقة « 1 » . وقوله تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم ، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقا كان أو عدوا ، ولهذا قال
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه ، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه ، كما في نظائره من القرآن وغيره ، كما في قوله
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
[ النور : 28 ] . وقوله :
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء ، كما في قوله تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
[ الفرقان : 24 ] وكقول بعض الصحابيات لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولهذا قال بعده
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
أي لذنوبهم
وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده ، لا ينالونها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل ، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم ، وهو تعالى الذي جعلها أسبابا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه فالكل منه وله ، فله الحمد والمنة . ثم قال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
وهذا من عدله تعالى ، وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه ، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير . وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
. قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري ، ذكره عن أبي سلمة ، عن جابر : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نزل منزلا ، وتفرق الناس في العضاه « 2 » يستظلون تحتها ، وعلق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سلاحه بشجرة ، فجاء أعرابي إلى سيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأخذه فسله ، ثم أقبل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : من
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ( هبة باب 12 ) وصحيح مسلم ( هبات حديث 9 و 10 و 17 ) ، وسنن الترمذي ( أحكام باب 30 ) ( 2 ) العضاه : كل شجر له شوك ، صغر أو كبر . واحدته : عضاهة .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 56 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين