تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك وأنذرونا لقاءك ، وأن هذا اليوم كائن لا محالة ، وقال تعالى :
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
أي وقد فرطوا في حياتهم الدنيا ، وهلكوا بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم للمعجزات ، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها ،
وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
أي يوم القيامة
أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
أي في الدنيا ، بما جاءتهم به الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 131 إلى 132 ]

ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) يقول تعالى :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ
أي إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة ، ولكن أعذرنا إلى الأمم ، وما عذبنا أحدا إلا بعد إرسال الرسل إليهم ، كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
[ فاطر : 24 ] وقال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النحل : 36 ] كقوله
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] وقال تعالى :
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا
[ الملك : 8 - 9 ] والآيات في هذا كثيرة . قال الإمام أبو جعفر بن جرير : ويحتمل قوله تعالى :
بِظُلْمٍ
وجهين [ أحدهما ]
ذلِكَ
من أجل
أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون ، ويقول : إن لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم على حجج اللّه عليهم ، ينذرهم عذاب اللّه يوم معادهم ، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة ، فيقولوا :
ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
[ المائدة : 19 ] [ والوجه الثاني ]
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
يقول : لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك ، واللّه غير ظلام لعبيده ، ثم شرع يرجح الوجه الأول ، ولا شك أنه أقوى ، واللّه أعلم . قال : وقوله تعالى :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
أي ولكل عامل في طاعة اللّه أو معصيته مراتب ومنازل من عمله ، يبلغه اللّه إياها ويثيبه بها ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، ( قلت ) ويحتمل أن يعود قوله
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
أي من كافري الجن والإنس ، أي ولكل درجة في النار بحسبه ، كقوله
قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ
[ الأعراف : 38 ] وقوله
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ
[ النحل : 88 ]
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
قال ابن جرير : أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك ، يحصيها ويثبتها لهم عنده ، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 306 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين