تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
أبان ، قال : سمعت عكرمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : رأى محمد ربه تبارك وتعالى ، فقلت : أليس اللّه يقول :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
الآية ، فقال لي : لا أم لك ، ذلك نوره ، الذي هو نوره ، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء ، وفي رواية لا يقوم له شيء ، قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وفي معنى هذا الأثر ، ما ثبت في الصحيحين ، من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه مرفوعا « إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل ، وعمل الليل قبل النهار ، حجابه النور - أو النار - لو كشفه ، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 1 » . وفي الكتب المتقدمة : إن اللّه تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية : يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده ، أي تدعثر ، وقال تعالى :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده . المؤمنين كما يشاء ، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه ، تعالى وتقدس وتنزه ، فلا تدركه الأبصار . ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ، تثبت الرؤية في الدار الآخرة ، وتنفيها في الدنيا ، وتحتج بهذه الآية
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
فالذي نفته الإدراك ، الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال ، على ما هو عليه ، فإن ذلك غير ممكن للبشر ، ولا للملائكة ، ولا لشيء . وقوله
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
أي يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه ، لأنه خلقها ، كما قال تعالى :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الملك : 14 ] وقد يكون عبر بالإبصار عن المبصرين ، كما قال السدي : في قوله
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
لا يراه شيء ، وهو يرى الخلائق ، وقال أبو العالية في قوله تعالى
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
قال اللطيف لاستخراجها ، الخبير بمكانها « 2 » ، واللّه أعلم ، وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان ، فيما وعظ به ابنه
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
[ لقمان : 16 ] .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 104 إلى 105 ]

قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) البصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن ، وما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) صحيح مسلم ( إيمان حديث 293 ) وسنن ابن ماجة ( مقدمة باب 13 ) ومسند أحمد 4 / 401 . ( 2 ) أثر أبي العالية في تفسير الطبري 5 / 299 .