تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
أي في سكراته ، وغمراته ، وكرباته ،
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
أي بالضرب ، كقوله
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي
[ المائدة : 28 ] الآية ، وقوله
يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ
[ الممتحنة : 2 ] الآية ، وقال الضحاك وأبو صالح باسطو أيديهم أي بالعذاب ، كقوله
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
[ الأنفال : 50 ] ولهذا قال
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
أي بالضرب لهم ، حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم ، ولهذا يقولون لهم
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ
وذلك أن الكافر إذا احتضر ، بشرته الملائكة بالعذاب ، والنكال ، والأغلال ، والسلاسل ، والجحيم ، والحميم ، وغضب الرحمن الرحيم ، فتتفرق روحه في جسده ، وتعصي وتأبى الخروج ، فتضربهم الملائكة ، حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم ، قائلين لهم
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
الآية ، أي اليوم تهانون غاية الإهانة ، كما كنتم تكذبون على اللّه ، وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله . وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت وهي مقررة عند قوله تعالى :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ إبراهيم : 27 ] وقد ذكر ابن مردويه هاهنا حديثا مطولا جدا من طريق غريبة ، عن الضحاك ، عن ابن عباس مرفوعا ، فاللّه أعلم . وقوله
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
أي يقال لهم يوم معادهم هذا كما قال
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
أي كما بدأناكم أعدناكم ، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه ، فهذا يوم البعث . وقوله
وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ
أي من النعم والأموال التي اقتنيتموها ، في الدار الدنيا وراء ظهوركم ، وثبت في الصحيح ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس » « 1 » . وقال الحسن البصري : يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ ، فيقول اللّه عز وجل : أين ما جمعت ؟ فيقول يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان ، فيقول له : يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك ؟ فلا يراه قدم شيئا ، وتلا هذه الآية
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ
الآية « 2 » ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله
وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ
تقريع لهم وتوبيخ على
هامش
( 1 ) مسند أحمد 2 / 368 و 4 / 24 - 26 . ( 2 ) سنن الترمذي ( قيامة باب 6 ) . والبذج : ولد الضأن . والمقصود بيان ضعفه .