تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
ذكرها ابن إسحاق : [ الطويل ]
وإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذن عظما حديدا فتفصدا « 1 »
أي لا تفعل فعل الجاهلية ، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئا محددا من عظم ونحوه ، فيفصد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان ، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه ، ولهذا حرم اللّه الدم على هذه الأمة ، ثم قال الأعشى :
وذا النصب المنصوب لا تأتينه « 2 » * ولا تعبد الأوثان واللّه فاعبدا « 3 »
وقوله :
وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
يعني إنسيه ووحشيه ، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم ، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا ، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله :
فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً
يعنون قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ
أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه ، وهذا بعيد من حيث اللغة ، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه ، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب ، ومن العرف المطرد ، وفي صحيح مسلم « 4 » عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من لعب بالنردشير ، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه » فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس ، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به ، وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره ؟ وفي الصحيحين « 5 » أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « إن اللّه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » فقيل : يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال « لا ، هو حرام » . وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم : نهانا عن الميتة والدم . وقوله
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير اللّه فهو حرام لأن اللّه تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم ، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع . وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية إما عمدا أو نسيانا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام .
هامش
( 1 ) رواها ابن هشام في السيرة 1 / 386 - 388 في ثلاثة وعشرين بيتا . وفيها : « فإياك . . . لتفصدا » . ( 2 ) في السيرة : « لا تنسكنّه » . ( 3 ) الأصل : فاعبدن ، بنون خفيفة . وقد استعاض عنها بألف . وقيل إنه لم يرد النون الخفيفة وإنما خاطب الواحد بخطاب الاثنين . ( 4 ) صحيح مسلم ( شعر حديث 10 ) ( 5 ) صحيح البخاري ( بيوع باب 105 ) وصحيح مسلم ( بيوع حديث 93 )
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 13 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين