تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
الذي أراد ما أراد
إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
، ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد ، فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضا ، فنفذت الحجة ، وظهر به العذر ، وزاح به الباطل ، ودفع به الكفر ، وفي الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا لابن عباس ، فقال « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » . ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال : التأويل يطلق ، ويراد به في القرآن معنيان : أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ، ومنه قوله تعالى :
وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ
[ يوسف : 100 ] وقوله
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ
[ الأعراف : 53 ] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد ، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا اللّه عز وجل ، ويكون قوله
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
مبتدأ و
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
خبره ، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر ، وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله
نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
أي بتفسيره ، فإن أريد به هذا المعنى ، فالوقف على
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار ، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ، وعلى هذا يكون قوله :
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
حالا منهم ، وساغ هذا ، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه ، كقوله
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ
- إلى قوله -
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا
[ الحشر : 8 - 10 ] ، وقوله تعالى :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
[ الفجر : 22 ] أي وجاءت الملائكة صفوفا صفوفا . وقوله إخبارا عنهم
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
، أي المتشابه ،
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق ، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له ، لأن الجميع من عند اللّه وليس شيء من عند اللّه بمختلف ولا متضاد ، لقوله :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] ، ولهذا قال تعالى :
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا فياض الرقي ، حدثنا عبد اللّه بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء رضي اللّه عنهم قال : حدثنا أبو الدرداء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، سئل عن الراسخين في العلم ، فقال : « من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن أعفّ بطنه وفرجه ، فذلك من الراسخين في العلم » .