تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا حفص بن جميع عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله تعالى :
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
قال : تمموا على كفرهم حتى ماتوا ، وكذا قال مجاهد . وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى عن عامر الشعبي ، عن علي رضي اللّه عنه ، أنه قال : يستتاب المرتد ثلاثا ، ثم تلا هذه الآية
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
، ثم قال :
بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
يعني أن المنافقين من هذه الصفة ، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة ، ويقولون لهم إذا خلوا بهم : إنما نحن معكم ، إنما نحن مستهزئون ، أي بالمؤمنين ، في إظهارنا لهم الموافقة . قال اللّه تعالى منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين
أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ
، ثم أخبر اللّه تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له ، كما قال تعالى في الآية الأخرى
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
[ فاطر : 10 ] . وقال تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ المنافقون : 8 ] ، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب اللّه والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا ، ويوم يقوم الأشهاد ، ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن عياش بن حميد الكندي ، عن عبادة بن نسيء ، عن أبي ريحانه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وفخرا ، فهو عاشرهم في النار » تفرد به أحمد ، وأبو ريحانة هذا هو أزدي ، ويقال أنصاري ، واسمه شمعون ، بالمعجمة ، فيما قاله البخاري ، وقال غيره : بالمهملة ، واللّه أعلم . وقوله :
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
، أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات اللّه ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك ، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه ، فلهذا قال تعالى :
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
في المأثم ، كما جاء في الحديث « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر » والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام ، وهي مكية
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
[ الأنعام : 68 ] ، قال مقاتل بن حيان : نسخت هذه الآية التي في سورة الأنعام ، يعني نسخ قوله :
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
لقوله -
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
[ الأنعام : 69 ] .
هامش
( 1 ) مسند أحمد 4 / 133 .