تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وقوله :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
أي أخبركم بما أكل أحدكم الآن ، وما هو مدخر له في بيته لغد ،
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي في ذلك كله
لَآيَةً لَكُمْ
أي على صدقي فيما جئتكم به
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ
أي مقررا لها ومثبتا
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة ، وهو الصحيح من القولين ، ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئا ، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ ، فكشف لهم عن المغطى في ذلك ، كما قال في الآية الأخرى
وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ
[ الزخرف : 63 ] واللّه أعلم . ثم قال
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
.

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 52 إلى 54 ]

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) يقول تعالى :
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى
أي استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال ،
قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
قال مجاهد : أي من يتبعني إلى اللّه . وقال سفيان الثوري وغيره : أي من أنصاري مع اللّه ، وقول مجاهد أقرب . والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى اللّه ؟ كما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر « من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي . فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي » حتى وجد الأنصار ، فآووه ونصروه وهاجر إليهم ، فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر ، رضي اللّه عنهم وأرضاهم . وهكذا عيسى ابن مريم عليه السلام انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ، ولهذا قال اللّه تعالى مخبرا عنهم
قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
الحواريون قيل : كانوا قصارين ، وقيل : سموا بذلك لبياض ثيابهم ، وقيل : صيادين . والصحيح أن الحواري الناصر ، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما ندب الناس يوم الأحزاب ، فانتدب الزبير ثم ندبهم ، فانتدب الزبير رضي اللّه عنه ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لكل نبي حواري ، وحواريي الزبير » « 1 » ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
قال : مع أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا إسناد جيد .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ( جهاد باب 40 و 41 و 135 ؛ وفضائل الصحابة باب 13 ) وصحيح مسلم ( فضائل الصحابة حديث 48 )