تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أسود بن عامر ، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن جبير بن مالك ، قال : أمر بالمصاحف أن تغير ، قال : فقال ابن مسعود : من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغله ، فإنه من غل شيئا جاء به يوم القيامة ، ثم قال : قرأت من فم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبعين سورة ، أفأترك ما أخذت من في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - وروى وكيع في تفسيره عن شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم ، قال : لما أمر بتحريق المصاحف قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : يا أيها الناس غلوا المصاحف ، فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة ، ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة - وقال أبو داود ، عن سمرة بن جندب ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس ، فيجيئون بغنائمهم ، فيخمسه ويقسمه ، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال : يا رسول اللّه ، هذا كان مما أصبنا من الغنيمة ، فقال « أسمعت بلالا ينادي » ثلاثا ؟ قال : نعم . قال « نعم . قال « فما منعك أن تجيء » ؟ فاعتذر إليه فقال « كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك » . وقوله تعالى :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
أي لا يستوي من اتبع رضوان اللّه فيما شرعه فاستحق رضوان اللّه وجزيل ثوابه ، وأجير من وبيل عقابه ، ومن استحق غضب اللّه وألزم به فلا محيد له عنه ، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير ، وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن ، كقوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ الرعد : 19 ] ، وكقوله
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ القصص : 61 ] . ثم قال تعالى :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ
، قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق : يعني أهل الخير وأهل الشر درجات ، وقال أبو عبيدة والكسائي : منازل ، يعني متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار ، كقوله تعالى :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا *
[ الأحقاف : 19 ] ، ولهذا قال تعالى :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
أي وسيوفيهم إياها ، لا يظلمهم خيرا ولا يزيدهم شرا ، بل يجازي كل عامل بعمله ، وقوله تعالى :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
أي من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به ، كما قال تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها
[ الروم : 21 ] أي من جنسكم ، وقال تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ *
[ الكهف : 110 ] . وقال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 20 ] وقال تعالى
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
[ يوسف : 109 ] وقال تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[ الأنعام : 130 ] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه ، ولهذا قال
هامش
( 1 ) مسند أحمد 1 / 414 .