وقوله
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أي العزيز الذي لا يعجزه شيء ، وهو قادر على كل شيء الحكيم في أفعاله وأقواله ، فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 130 إلى 132 ]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )
يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك باللّه ، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء ، فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى فلم يدعو معه غيره ولا أشرك به طرفة عين ، وتبرأ من كل معبود سواه خالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه ، فقال
يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 78 - 79 ] وقال تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
[ الزخرف : 26 - 27 ] وقال تعالى :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
[ التوبة : 114 ] وقال تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
[ النحل : 121 - 122 ] ولهذا وأمثاله قال تعالى :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
عن طريقته ومنهجه فيخالفها ويرغب عنها
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
؟ أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه اللّه خليلا ، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء ، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته ، واتبع طريق الضلالة والغيّ ، فأي سفه أعظم من هذا ؟ أم أي ظلم أكبر من هذا ؟ كما قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] .
قال أبو العالية وقتادة : نزلت هذه الآية في اليهود ، أحدثوا طريقا ليست من عند اللّه ، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه ، ويشهد لصحة هذا القول قول اللّه تعالى :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 67 - 68 ] .
وقوله تعالى
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
أي أمره اللّه بالإخلاص والاستسلام والانقياد ، فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا ، وقوله
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
أي وصى بهذه الملة ، وهي الإسلام للّه ، أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
لحرصهم عليها ومحبتهم لها ، حافظوا عليها إلى حين الوفاة ، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم كقوله تعالى :
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
[ الزخرف : 28 ] وقد قرأ بعض السلف