تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا رضي اللّه عنه يقول : لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح . قال ابن جرير : وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه فقال له : « أشكم درد » ومعناه أيوجعك بطنك ؟ قال : نعم ، قال : « قم فصل ، فإن الصلاة شفاء » « 1 » . قال ابن جرير : وقد حدثنا محمد بن الفضل ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : حدثنا ابن علية حدثنا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه : أن ابن عباس نعي إليه أخوه قسم وهو في سفر ، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
. وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
قال إنهما معونتان على رحمة اللّه . والضمير في قوله : « إنها لكبيرة » عائد إلى الصلاة ، نص عليه مجاهد ، واختاره ابن جرير . ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك ، كقوله تعالى في قصة قارون
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ
[ القصص : 80 ] وقال تعالى :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
[ فصلت : 34 - 35 ] أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا ، وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم . وعلى كل تقدير فقوله تعالى :
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ
أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : يعني المصدقين بما أنزل اللّه ، وقال مجاهد : المؤمنين حقا ، وقال أبو العالية : إلا على الخاشعين الخائفين ، وقال مقاتل بن حيان : ( إلا الخاشعين ) يعني به المتواضعين . وقال الضحاك : ( وإنها لكبيرة ) ، قال : إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته الخائفين سطوته المصدقين بوعده ووعيده . وهذا يشبه ما جاء في الحديث « لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره اللّه عليه » وقال ابن جرير « 2 » : معنى الآية : واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة اللّه وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر المقربة من رضا « 3 » اللّه ، العظيمة إقامتها إلا على الخاشعين أي المتواضعين المستكنّين لطاعته المتذللين من مخافته . هكذا قال . والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل ، فإنهم لم يقصدوا على سبيل التخصيص ، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) الحديث ذكره الطبري معلقا ، دون إسناد . وفيه « اشكنب درد » . وهو لفظ فارسي بمعنى : تشتكي بطنك ؟ وثبت هذا اللفظ في رواية البخاري في التاريخ الصغير ، ص 214 : « شكم درد » وفي رواية ابن ماجة « اشكمت درد » . ( 2 ) الطبري 1 / 300 . ( 3 ) في الطبري : « مراضي اللّه » .