سورة « الفرقان »
وبعد سورة « يس » وما قدمته من إحياء القلوب بالقرآن كما تحيا الأرض بالغيث ، وإحياء الناس بعد الموت وحال الناس مع هذا الكتاب الحكيم ، تنزل سورة الفرقان لتفصّل القول في التوحيد فهو الأهم ، وهو الأساسي وكذلك تفصّل القول في النبوة وتصحح مفهومها للناس ثم في المعاد وما يتعلق به ، فسورة الفرقان مكية كلّها في قول الجمهور ، وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ( 68 ) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ( 69 ) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 70 ) .
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : سئل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أي الذنب أكبر ؟ قال : « أن تجعل لله ندا وهو خلقك » . قلت : ثم أي ؟ قال :
« أن تزانى حليلة جارك » ، فأنزل الله تصديق ذلك :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ
، وأخرجا وغيرهما أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أن ناسا من أهل الشرك قد قتّلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ، ثم أتوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم : فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفارة ، فنزلت
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
الآية ، ونزلت :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ . . .
الآية [ الزمر : 53 ] . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : « لما نزلت
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
الآية اشتد ذلك على المسلمين ، فقالوا : ما منا أحد إلا أشرك وقتل وزنى ، فأنزل الله :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ . . .
الآية ، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك ، ثم نزلت هذه الآية :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
فأبدلهم الله بالكفر الإسلام ، وبالمعصية الطاعة ، وبالإنكار المعرفة ، وبالجهالة العلم ، وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قرأناها على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم سنين :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
( 68 ) ثم نزلت :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ
فما رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها وفرحه ب
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
.