أخرج أحمد من حديث أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أوحى إليه وهو على ناقته وضعت جرانها ، والجران : هو مقدم عنقها من المذبح إلى المنحر « 1 » ، فلم تستطع أن تتحرك . صحّح الحاكم هذه الرواية ووافقه الذهبي « 2 » .
ومن مظاهر الشدة كذلك : أن جاءه الوحي مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت رضي اللّه عنه ، فثقلت عليه حتى كادت ترضها ، فقد أخرج البخاري رحمه الله في التفسير من حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أملى عليه « لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله » فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها ، علىّ ، قال : يا رسول الله ! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى ، فأنزل الله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وفخذه على فخذي ، فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سرى عنه ، فأنزل الله « غير أولى الضرر » .
ولا يفهم من مظاهر هذه الشدة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان يغيب عن إحساسه ، كلا ، بل يظل الوعي حاضرا أثناء نزول الوحي ، وبعد أن يذهب ملك الوحي ، ولذلك جاءت صيغة الوعي في الروايات بالماضي والحاضر ، أي فقال صلى اللّه عليه وسلم : « فيفصم عنى ، وقد وعيت عنه ما قال » ويفصم : بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول ، وتقرأ كذلك بفتح أوله وسكون الفاء وكسر الصاد أي يفصم بمعنى يقلع ويتجلى ما ينشأ ، وأصل الفصم :
القطع . وقيل الفصم بالفاء القطع بلا إبانة ، والقاف القطع بإبانة ، فذكر بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود مرة أخرى . فالوعي حاضر أثناء نزول الوحي بوجود الملك ، وموجود بعد أن يفارق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، بعد تبليغ ما أمر به وقد وعى عنه ما قال وما بلغه وما جاء به .
وأما صيغة الحاضر ففي الرواية نفسها حيث يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فيكلمنى فأعي ما يقول » . وفي هذا رد على المغرضين والمشككين الذين يحاولون إثارة الشبهات بلا عقل فتكلموا في هذه المظاهر على أنها أعراض مرضية ، ويرد عليهم بأن هذه المظاهر لم يكن معها غيبة عن الحس كما يحدث في الأعراض المرضية ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها لما نزل الحجاب ، وأن أم المؤمنين سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا ( والمناصع : هي المواضع التي يتخلى فيها البول أو حاجة ) « 3 » فقال عمر :
قد عرفناك يا سودة ، فرجعت إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده ( والعرق العظم ، فإذا أكل لحم فعراق ، أو كلاهما لكلتيهما ) « 4 » ، فأوحى الله إليه
هامش
( 1 ) القاموس المحيط 4 / 210 .
( 2 ) زاد المعاد 1 / 79 ، 80 .
( 3 ) القاموس المحيط 3 / 92 .
( 4 ) المرجع السابق 3 / 272 .