تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ نزول القرآن الكريم — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وتقديم النموذجين الكريمين للناس في هذه الفترة المكية تهيئة صالحة لما سيقبلون عليه من استقرار الدولة المسلمة التي يقضى فيها بين الناس بالحق ، وبيان كذلك للناس أن من عباد الله من أوتى الملك الذي لم يصل إليه واحد ممن يمنعه ماله وجاهه من الإذعان والامتثال لأمر الله ورسوله ، والإنسان يبتلى بألوان من البلاء بالشر والخير ، ولكن عاقبة المؤمنين دائما أن يتذكروا ، وأن ينيبوا إلى ربهم ، وأن يستغفروا ليجدوا مغفرة الله وإكرامه لهم . ثم تقدم السورة الكريمة نموذجا آخر من صفوة الناس يبتلى ، وكيف يكون حاله في الابتلاء وكيف تكون عاقبته ، قال تعالى :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
( 44 ) فأيوب عليه السّلام يبتلى بهذا الابتلاء الشديد في بدنه ، ويلجأ إلى الله ويدعوه رغبا ورهبا ، فيكشف الله ما به من ضر ويؤتيه أهله ومثلهم معهم . وتقص الآيات تفصيلات حدثت مع هذا الابتلاء في كيفية الضرب بالرجل على الأرض ليغتسل وليشرب فيبرأ بإذن الله ، وكيف يضرب بالضغث ولا يحنث . وفي هذا تأكيد على صدق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لأنه لا يعلم أحد بهذه التفاصيل إلا الله الذي أنزل الكتاب وما عند أهل الكتاب يكتمونه ، وليسوا معه في مكة المكرمة مع ما حرفوه وبدّلوه وشوّهوا أحداث هؤلاء الصفوة . وتستمر السورة الكريمة في تقديم هذه النماذج المشرقة ، ليقتدى بها فإن مواقفهم قابلة للتكرار ، والتحلي بما كانوا عليه من صفات يحقق ما وصلوا إليه من نتائج ، وما منحهم الله من عطايا . يقول الله تعالى :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ
( 48 ) . وفي الوقت الذي يضع التنزيل المبارك أمام الناس هذه النماذج الكاملة يبشر من اقتدى بهم ، واتصف بصفاتهم ، ويذكر ما أعد الله لهم من نعيم معنوي وحسى من تفتيح الأبواب والاتكاء والفاكهة الكثيرة والشراب الطهور والحور العين ، قال تعالى :