تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ نزول القرآن الكريم — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
تعالى :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] ، ويجمع ابن عباس بين المعنيين فيقول : هذا تهديد وإعلام أن من تقدّم إلى الطاعة والإيمان جوزي بثواب لا ينقطع ، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدا صلّى اللّه عليه وسلم عوقب عقابا لا ينقطع ، وأما السدى فيقول :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ
- إلى النار ( المتقدم ذكرها ) -
أَوْ يَتَأَخَّرَ
( 37 ) - عنها إلى الجنة . وعلى كل حال فتقرير المسؤولية عما يكتسب الإنسان تنبيه « مبكر » يجعل الإنسان يسأل نفسه عن الإقدام والإحجام ، ويربى في النفس هذه الملكة التي تسأل وتراجع وتراقب قبل العمل ، وبعده لنجد النفس المحامية المراقبة اللوامة قال تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
( 38 ) أي مرتهنة بكسبها ، مأخوذة بعملها ، إما خلصها وإما أوبقها .
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ
( 39 ) وهذا الاستثناء الحكيم ليس فيه ما قد يفهمه البعض من الخروج عن قاعدة المسؤولية الفردية ، بل هو تدعيم لها فإن أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم ؛ لأنهم إما أن يكونوا غير مكتسبين للذنوب ، أو أدوا ما كان عليهم . ولذلك اختلف في تعيينهم ، فابن عباس في الدين يقول : إنهم الملائكة وهؤلاء لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وعلىّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه يقول : إنهم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم ، وقال الحسن وابن كيسان : هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين لأنهم أدوا ما كان عليهم ، وقيل : هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم . فالمسؤولية - إذن - مقررة
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
( 38 ) . ويأخذ الإنذار وجها آخر في هذه السورة الكريمة المنذرة ، وهو عرض للمقارنة بين تبصير المؤمنين والكافرين ، وذكر ما يتصل بالفريقين من أعمال ، ومعنى ذلك أن من فضل الله على خلقه أن تتعدد الأساليب تشجيعا لأهل الإيمان ، وحفزا لهممهم للقيام بتبعات الدعوة ومسئولياتها ، وتحذيرا لأهل الشرك حتى يعودوا إلى الحق والرشاد ويتخذوا سبيل المؤمنين وإلا فالمصير أليم ، فالمؤمنون الصالحون أصحاب اليمين في الجنات وما أعد الله لهم فيها ، والمشركون يوصفون بالإجرام ؛ لأنهم أجرموا في حق أنفسهم ، وفي حق غيرهم ممن وقفوا منهم موقف الإيذاء والتعذيب والسخرية والاستهزاء ، وحال الفريقين مكشوف وظاهر ، أما أهل الإيمان فهم في أمن وسلام ونعيم يسمح لهم بهذا التساؤل عن غيرهم ، والتساؤل - هنا - عن المجرمين ، وعن الأعمال التي أدخلتهم سقر وكانوا بها مجرمين ، وتعرض السورة الكريمة المنذرة أقوال أهل سقر والتي تتضمن