تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
فإن قيل : نرى العقل يعزب عن الإنسان في وقت ويثوب إليه في وقت . فالجواب أن الوصف الذي كنا ننعت به ونصدع ببيانه لم يكن لعقل زيد وعمرو ، وبكر وخالد ، لأن ذلك ينعت بالطّلوع والغروب ، وبالحضور والغيوب ، لأنه هاهنا مضاف ومنحاز ، أو كالمنحاز ، وليس كذلك هو ، فإنّه هناك على بهجته التامّة ، وسلطانه القاهر ، وملكوته الأفيح ، وبسيطه الفائق ، وفضائه العريض . وأمّا قوله : وهل ينفعل ؟ فقد مرّ الكلام عليه في طيّ ما مرّ ، وليس للتّكرار وجه ، ولا في التّطويل عذر . وأما قوله : فقسط الفعل أكثر ، أم قسط الانفعال ؟ فإنّ هذا يلحظ من وجهين ، إذا لحظ قبوله من فيض الإله فقسط الانفعال أظهر ، وإذا لحظ فيضه على النّفس فقسط الفعل فيه أكثر ، لأنّه بجوده على غيره يشاركه من جاد عليه بجوده ، وهذا لطيف جدّا . وأمّا قوله : وما المعاد ؟ فما أسهل مطالبة السائل بهذا الأمر الصّعب الهائل الذي كلّ أمر متعلّق به ، وكلّ رجاء حائم حوله ، وكلّ طمع متوجّه إليه ، وكلّ شيء مقصور عليه ، وكلّ إنسان به يهيم ، وكلّ مصرّح عنه يصرّح ، وكلّ كان عنه يكني ، وكلّ مترنّم به يحدو ، وكلّ لحن إليه يشير ، وكلّ سامع إليه يطرب ، ونرجع فنقول - على العيّ والبيان ، وعلى الزّحف والعدوان : - إنّ عود النّفس إنما هو تخليتها للبدن إذا حان وقت التّخلية ، إما لأن البدن غير محتمل لمادّة الحياة ، وإمّا لأنّ النفس قد أزمعت أمرا آخر ، ولا يتمّ لها ذلك إلّا بتخلية هذا ، وإمّا لهما . فإن قال قائل : فما نصيب الإنسان من عود النّفس الذي هو تخليتها للبدن وخروجها عنه ، وترك استعمالها له ؟ فالجواب من طريق التّمثيل ، والرّضا بالرّأي الأصوب ، والحكم الأجلى أن يقال : لو قيل لرجل من عرض النّاس وافر أو ناقص : إنّك إذا فارقت هذا العالم بقيت عينك الباصرة ، وأذنك السامعة ، هل ترى ذلك نعمة عليك ، وإحسانا إليك ، فإنّ عينك إذا بقيت أبصرت العالم بعدك كما كنت تبصره وهي معك ، بل تبصر أحسن من ذاك الإبصار ، لأنّها كانت معك ترمد بسببك ، وتعشى من أجلك ، وربّما عرض لها سوء بسوء تدبيرك ، أو باتفاق رديء عليك ، من عشى أو عمى وخفش وعمش وعور وآفات كثيرة ، وهي آمنة بعدك من هذه الأعراض المكروهة ، والأحوال الداهية ، فإنا نعلم حقّا وعيانا أنّه يقول : قد رضيت بل أتمنّى هذا ، ومن لي به ، أي إن أعطيت هذا فمن منّي أسمع وأبصر ، وإذا كنت أكره الدنيا في حياتي إذا فقدتهما فكيف لا أحبّ الدّنيا إذا وجدتهما ، فإن كان هذا التمثيل واقعا ، وهذا التقريب نافعا ، والحقّ في تضاعيفه واضحا ، فليكن ذلك مطّردا في بقاء نفس الإنسان التي بها كان إنسانا ، وبها كان ينعم في هذا العالم ، وبها كان يعلم ويعرف ويحكم ويصيب ، ويجد لذّة اللّذيذة من ناحية العقل والحسّ ، وبها كان يتمنّى البقاء