تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
في المنزلة الثالثة من كتابه ، قال لنا عليّ بن عيسى الوزير : عرض عليّ قدامة كتابه سنة عشرين وثلاثمائة ، واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن ، وتفرّد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللّفظ والمعنى ، ممّا يدلّ على المختار المجتبى والمعيب المجتنب . ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع العروض ، ولكنّي وجدته هجين اللّفظ ، ركيك البلاغة في وصف البلاغة ، حتّى كأنّ ما يصفه ليس ما يعرفه ، وكأنّ ما يدلّ به غير ما يدلّ عليه . والعرب تقول : فلان يدلّ ولا يدلّ ، حكاه ابن الأعرابي ، وهذا لا يكون إلا من غزارة العلم ، وحسن التصوّر ، وتوارد المعنى ، ونقد الطّبع ، وتصرّف القريحة . قال : ولولا أنّ الأمر على ما ذكرت لكان ذلك الطريق الّذي سلكه ، والفنّ الّذي ملكه ، والكنز الذي هجم عليه ، والنّمط الذي ظفر به ، قد برز في أحسن معرض ، وتحلّى بألطف كلام ، وماس في أطول ذيل ، وسفر عن أحسن وجه ، وطلّع من أقرب نفق ، وحلّق في أبعد أفق . وابن المراغيّ يقول كثيرا - وهو شيخ من جلّة العلماء ، وله سهم واف في زمرة البلغاء - : ما أحسن معونة الكلمات القصار ، المشتملة على الحكم الكبار ، لمن كانت بلاغته في صناعته بالقلم واللّسان ، فإنّها توافيه عند الحاجة ، وتستصحب أخواتها على سهولة ، وهكذا مصاريع أبيات الشّعر ، فإنّها تختلط بالنّثر متقطّعة وموزونة ، ومنتثرة ومنضودة . قال لي ابن عبيد الكاتب : بلغني هذا الوصف عن هذا الشيخ ، فبلوته بالتتبّع فوجدته على ما قال ، وما أشبه ما ذكره إلّا بالصّرّة « 1 » المعدّة عند الإنسان ، لما يحتاج إليه في الوقت المهمّ والأمر الملمّ ، فهذا هذا . فقال - أدام اللّه دولته ، وكبت أعداءه - : قدّم هذا الباب فقد أتى على ما لم أظنّ أنه يؤتى عليه ويهتدى إليه - إذا شئت ، وانصرفت .
هامش
( 1 ) كيس الدراهم والدنانير .