تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وقد مدح زيد فقيل : هو ألوف . وذمّ عمرو فقيل : هو ملول . وأما الصّدق والكذب ، فمن علائق النفس الناقصة والكاملة ، وقد يكونان راسخين فيلحقان بالخلق ، إلا أن الصدق ممدوح ، والكذب مذموم ، هذا في النظر الأول ، وقد يعرض ما يوجب المصير إلى الكذب لينجى به ، فهما إذن بعد الحقيقة الأولى وقف على الإضافة ، وقد وجدنا من كذب لينتفع ، ولم نجد من صدق ليكتسب الضرر . وأمّا الإخلاص والنفاق ، فهما يلحقان بالخلق ، ولكنّهما يصدران عن عقيدة القلب وضمير النفس . وأما الإحسان والإساءة ، فهما يعمّان الأفعال والأقوال ، فإذا رسخ اعتيادهما استحالا خلقين . وأما النّصح والغشّ ، فهما خلقان ، وطرفاهما يتعلّقان بالخلق . وكذلك الطّمع واليأس ، والحبّ ، والبغض ، واللّهج والسّلوّ ، وما شاكل هذا الباب . ولم يجر هذا كلّه في المذاكرة بالحضرة ، ولكن رأيت من تمام الرسالة أن أضمّ هذا كلّه إلى حومته ، وأبلغ الممكن من مقتضاه في تتمّته . وقال لي : هات الوداع ، فإنّ الليل قد همّ بالإقلاع . قلت : قال أبو سعيد الذهبيّ الطبيب : لو علم الّذي يحمل الباذنجان أنّ على ظهره باذنجانا لصال على الثّيران . فضحك - أضحك اللّه سنّه ، وحقّق في كلّ خير ظنّه - وقال : إن كنت تحفظ في غرائب أخلاق الحيوان شيئا فاذكره إذا حضرت ، فقد مرّ في أخلاق الإنسان ما يكفي مجلس الإمتاع والمؤانسة ، فإذا ضمّ هذا إلى ذاك كان للإنسان فيه تبصّر كاف ، وتذكّر شاف . وصدق - صدّق اللّه قوله - لأن الإنسان أشرف الحيوان ، وإنما كان هكذا لأنه حاز جميع قوى الحيوان ثم زاد عليه بما ليس لشيء منه ، فصار ربّا له سائسا ، ومصرّفا له حارسا ، ونظر إلى ما سخّر له منه فاعتبر ، وقاد نفسه إلى حسن ما رأى ، وعزفها عن قبيح ما وجد ، ولم يجز في الحكمة أن يحرم الإنسان هذا مع ما فيه من المواهب السنيّة ، والمنائح الهنية ، فإن قال قائل : فالملائكة إذن قد حرمت هذه الفضيلة ؟ فليعلم هذا القائل أن الملك لمّا خلق كاملا لم يكلّف أن يكمل ويتكامل ويستكمل ، فصار كل شيء يطلبه ويتوخّاه سببا إلى كماله المعدّ له وغايته المقصودة . فإن زاد فقال : فهلا خلق كاملا ؟ فليعلم أن كلامه على طريق الجدل ، لا على طريق البحث عن العلل ، لأنّه قد جهل أنّه بالحكمة وجب أن يكون الأمر مقسوما بين ما يحوز الكمال بالجبلّة ، وبين ما يكسب الكمال بالقصد .