تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
العلماء والفقهاء في مسائلهم ، ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في استنباطهم ، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم ، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة والكنايات المفيدة والجهات القريبة والبعيدة ، لحقّرت نفسك ، وازدريت أصحابك ، ولكان ما ذهبوا إليه وتابعوه عليه أقلّ في عينك من السّها عند القمر ، ومن الحصا عند الجبل . أليس الكنديّ وهو عليم في أصحابك يقول في جواب مسألة « هذا من باب عدّ » . فعدّ الوجوه بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم بلا ترتيب ، حتّى وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوه بها وأروه أنها من الفلسفة الداخلة ، فذهب عليه ذلك الوضع ، فاعتقد فيه أنّه صحيح وهو مريض العقل فاسد المزاج حائل الغريزة مشوّش اللّب . قالوا له : أخبرنا عن اصطكاك الأجرام ، وتضاعف الأركان ؟ هل يدخل في باب وجوب الإمكان ؟ أو يخرج من باب الفقدان إلى ما يخفى عن الأذهان ؟ وقالوا له أيضا : ما نسبة الحركات الطبيعيّة إلى الصّور الهيولانيّة ؟ وهل هي ملابسة للكيان في حدود النظر والبيان ، أو مزايلة له مزايلة على غاية الإحكام ؟ وقالوا له : ما تأثير فقدان الوجدان في عدم الإمكان عند امتناع الواجب من وجوبه في ظاهر ما لا وجوب له لاستحالته في إمكان أصله ؟ وعلى هذا فقد حفظ جوابه عن جميع هذا على غاية الرّكاكة والضّعف والفساد والفسالة والسّخف . ولولا التوقّي من التطويل لسردت ذلك كلّه ، ولقد مرّ بي في خطّه : التفاوت في تلاشي الأشياء غير محاط به ، لأنّه يلاقي الاختلاف في الأصول والاتفاق في الفروع ، وكلّ ما يكون على هذا النّهج فالنّكرة تزاحم عليه المعرفة ، والمعرفة تناقض النّكرة ، على أنّ النّكرة والمعرفة من باب الألبسة العارية من ملابس الأسرار الإلهيّة ، لا من باب الإلهيّة العارضة في أحوال البشرية . ولقد حدثنا أصحابنا الصابئون عنه بما يضحك الثكلى ويشمت العدوّ ويغرّ الصّديق ، وما ورث هذا كلّه إلّا من بركات يونان وفوائد الفلسفة والمنطق ونسأل اللّه عصمة وتوفيقا نهتدي بهما إلى القول الراجع إلى التحصيل ، والفعل الجاري على التعديل ، إنّه سميع مجيب . هذا آخر ما كتبت عن عليّ بن عيسى الرّمّاني الشيخ الصالح بإملائه . وكان أبو سعيد قد روى لمعا من هذه القصّة . وكان يقول : لم أحفظ عن نفسي كلّ ما قلت ، ولكن كتب ذلك أقوام حضروا في ألواح كانت معهم ومحابر أيضا ، وقد اختلّ عليّ كثير منه . قال علي بن عيسى : وتقوّض المجلس وأهله يتعجّبون من جأش أبي سعيد الثابت ولسانه المتصرف ووجهه المتهلّل وفوائده المتتابعة .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 100 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي