تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
بين يديه ، فتحدثوا ساعة . فقال له ابن المبارك : يا أبا الحسن ، أتدري من هذا ؟ قال : لا أدري . فقال له : هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين ، 385 فنظر إليه الفضيل بن عياض ساعة ، ثم قال : هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها ، لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه ، إن هذا لهو الفضل المبين ، وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا ، وأحسنهم نطقا ، وأبلغهم لسانا ، وأعذبهم كلاما ، وأكثرهم علما وفهما ، ثم جعل الفضيل بن عياض يعظه ويخوّفه حتى بكى هارون بكاء شديدا . قال ابن المبارك : ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ ، ثم أفاق من بكائه ، فجعل الفضيل يذكر مثالبه ، ومثالب أهل بيته ، ورداءة سيرتهم ، وخلافهم الحق ، ثم لم يدع شيئا يعيبه به ، ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به . فقال له الرشيد : يا أبا الحسن ، أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها اللَّه لك ؟ فقال الفضيل : بلى . فقال الرشيد : فما جعلك بأحقّ أن ترجو المغفرة مني ؟ وأنا على دين يقبل اللَّه فيه الحسنات ، ويعفو عن السيئات ، ومع ذلك فإنّي واللَّه ما كنت لأخير بين شيء وبين اللَّه إلا اخترت اللَّه تعالى على ما سواه ، اللَّه الشاهد على قولي ، والمطلع على نيتي وضميري ، وكفى به شهيدا . وأنا مع هذا ألي من الإصلاح بين الناس ، والجهاد في سبيل اللَّه ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ما لا تليه أنت ، فما جعلك أحقّ أن ترجو المغفرة مني ؟ فسكت الفضيل ساعة ثم قال : ما ظلمك من حجّك ، ثم قام هارون للخروج . فقال الفضيل : يا أمير المؤمنين ، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا ، فقال الرشيد : أجل إنه ما قلت [ ( 1 ) ] . فلما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الأمصار كلها ، وإلى أمراء الأجناد ، أما بعد : فانظروا من التزم الأذان عندكم ، فاكتبوه في ألف من العطاء ، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم ، ومقاعد الأدب ، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء ، ومن جمع القرآن ، وروى الحديث ، وتفقه في العلم واستبحر ، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء ، وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر ، من المعروفين به من علماء عصركم ، وفضلاء دهركم ، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم ، 386 فإن اللَّه تعالى يقول :
هامش
[ ( 1 ) ] خبر الرشيد مع الفضيل بن عياض روي باختلاف عما هنا قارن مع : حلية الأولياء 8 / 106 صفة الصفوة 2 / 242 مروج الذهب 3 / 434 وفيات الأعيان 4 / 48 .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 211 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري