تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ونأمره بحقّ ، وننهاه عن باطل ، فلعل أن يقع كلامنا منه موقعا ينفع اللَّه به المسلمين ، ويأجرنا عليه ، فقال سليمان الخوّاص : إني لأخشى أن يأتي علينا منه يوم سوء . فقال الثوري : ما أخاف ذلك ، فإن شئت فادخل ، وإن شئت دخلت . فدخل سليمان الخوّاص ، فأمره ونهاه ، ووعظه وذكّره اللَّه ، وما هو صائر إليه ، ومسؤول عنه . فقال له أبو جعفر : أنت مقتول ، ما تقول في كذا وكذا ، لشيء سأله عنه من باب العلم ؟ فأجابه ، فلما خرج قال سفيان الثوري : ما ذا صنعت ؟ قال : أمرت ونهيت ، ووعظت وذكرت فرضا كان في رقابنا أدّيناه مع أنه لا يقبل ، وسألني عن مسألة فأجبته . قال سفيان : ما صنعت شيئا ، فدخل سفيان الثوري فأمره ونهاه . فقال له : ها هنا أبا عبد إليّ إليّ ، ادن مني . فقال : إني لا أطأ ما لا أملك ولا تملك . فقال أبو جعفر : يا غلام أدرج البساط ، وارفع الوطاء ، فتقدم سفيان فصار بين يديه وقعد ، ليس بينه وبين الأرض شيء ، وهو يقول :
مِنْها خَلَقْناكُمْ ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
فدمعت عينا أبي جعفر . ثم تكلم سفيان دون أن يستأذن ، فوعظ وأمر ونهى وذكّر ، وأغلظ في قوله . فقال له الحاجب : أيها الرجل ، أنت مقتول . فقال سفيان : وإن كنت مقتولا فالساعة ، فسأله أبو جعفر عن مسألة فأجابه ، ثم قال سفيان : فما تقول أنت يا أمير المؤمنين فيما أنفقت من مال اللَّه ، ومال أمة محمد بغير إذنهم ، وقد قال عمر في حجة حجها ، وقد أنفق ستة عشر دينارا هو ومن معه : ما أرانا إلا وقد أجحفنا ببيت المال [ ( 1 ) ] . وقد علمت ما حدثنا به منصور بن عمار ، وأنت حاضر ذلك ، وأوّل كاتب كتبه في المجلس عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قال : « ربّ متخوّض في مال اللَّه ومال رسول اللَّه فيما شاءت نفسه له النار غدا » [ ( 2 ) ] فقال له أبو عبيدة الكاتب : أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا ؟ فقال له سفيان : اسكت ، فإنما أهلك فرعون هامان ، وهامان فرعون . 371 ثم خرج سفيان ، فقال أبو عبيدة الكاتب : ألا تأمر بقتل هذا الرجل ؟ فو اللَّه ما أعلم أحدا أحقّ بالقتل منه . فقال أبو جعفر : اسكت
هامش
[ ( 1 ) ] في حلية الأولياء 6 / 376 أن هذا القول قاله سفيان للمهدي وقد كان قدم للحج . [ ( 2 ) ] متخوض : قال في النهاية : أصل الخوض المشي في الماء وتحريكه ، ثم استعمل في التلبيس بالأمر والتصرف فيه ، أي رب متصرف في مال اللَّه تعالى بما لا يرضاه اللَّه . وقيل هو التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن ( النهاية : خوض ) .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 194 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري