تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
عرفت ، وحاولت منهم ما علمت ؟ قال : فتكلم يزيد ، وقد خنقه من شدة الحياء الشرق وأخضله من أليم الوجد العرق . قال : لا تلزمني كفر نعمتك ، ولا تنزل بي عقابك ، وقد عرفت نعمة مواصلتك ببرك ، وخطوي إلى كل ما يسرك ، في سري وجهري فليسكن سخطك ، فإن الّذي أرثي له من أعباء حمله وثقله ، أكثر مما أرثي لنفسي ، من أليم ما بها وشدته ، وسوف أنبئك وأعلمك أمري . كنت قد عرفت من أمير المؤمنين استكمل اللَّه بقاءه ، نظرا في خيار الأمور لي ، وحرصا على سياقها إليّ ، وأفضل ما عسيت أستعد له بعد إسلامي المرأة الصالحة ، وقد كان ما تحدث به من فضل جمال أرينب بنت إسحاق وكمال أدبها ما قد سطع وشاع في الناس ، فوقع مني بموقع الهوى فيها ، والرغبة في نكاحها ، فرجوت ألا تدع حسن النظر لي في أمرها ، فتركت ذلك حتى استنكحها بعلها ، فلم يزل ما وقع في خلدي ينمو ويعظم في صدري ، حتى عيل صبري ، فبحت بسري ، فكان مما ذكرت تقصيرك في أمري ، فاللَّه يجزيك أفضل من سؤالي وذكري . فقال له معاوية : مهلا يا يزيد ، فقال : علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل ؟ فقال له معاوية : فأين حجاك ومروءتك وتقاك ؟ فقال يزيد : قد يغلب الهوى على الصبر والحجا ، ولو كان أحد ينتفع فيما يبتلي به من الهوى يتقاه ، أو يدفع ما أقصده بحجاه ، لكان أولى الناس بالصبر داود عليه السلام ، وقد خبرك القرآن بأمره . فقال معاوية : فما منعك قبل الفوت من ذكره ؟ قال : ما كنت أعرفه ، وأثق به من جميل نظرك ، قال : صدقت ، ولكن اكتم يا بني أمرك بحلمك ، واستعن باللَّه على غلبة هواك بصبرك ، فإن البوح به غير نافعك ، واللَّه بالغ أمره ، ولا بد مما هو كائن . وكانت أرينب بنت إسحاق مثلا في أهل زمانها في جمالها ، وتمام كمالها وشرفها ، وكثرة مالها ، فتزوجها رجل من بني عمها يقال له عبد اللَّه بن سلام من قريش ، وكان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل . ووقع أمر يزيد من معاوية موقعا ملأه همّا ، وأوسعه غما ، فأخذ في الحيلة والنظر أن يصل إليها ، وكيف يجمع بينه وبينها حتى يبلغ رضا يزيد فيها . 213 فكتب معاوية إلى عبد اللَّه بن سلام : وكان قد استعمله على العراق ، أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا الأمر حظك فيه كامل ، ولا تتأخر عنه ، فأعد المصير والإقبال . وكان عند معاوية بالشام أبو هريرة وأبو الدرداء ، صاحبا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فلما قدم عبد اللَّه بن