الفصل الثاني المحكمات أم الكتاب
ذكر جماعة : أن كون الآيات المحكمة أم الكتاب كونها أصلا في الكتاب عليه تبتني قواعد الدين وأركانها فيؤمن بها ويعمل بها ، وليس الدين إلّا مجموعا من الاعتقاد والعمل ، وأما الآيات المتشابهة فهي لتزلزل مرادها وتشابه مدلولها لا يعمل بها بل إنما يؤمن بها إيمانا .
وأنت بالتأمل فيما تقدم من الأقوال تعلم : أن هذا لازم بعض الأقوال المتقدمة ، وهي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابها لاشتماله على تأويل يتعذر الوصول إليه وفهمه ، أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به ورفع تشابهه في الجملة أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح إليها في رفع الشبهات اللفظية .
وقال آخرون : إن معنى أمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها ، وكلامهم مختلف في تفسير هذا الرجوع ، فظاهر بعضهم : أن المراد بالرجوع هو قصر المتشابهات على الإيمان والاتباع العملي في مواردها للمحكم كالآية المنسوخة يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالناسخة ، وهذا القول لا يغاير القول الأول كثير مغايرة ، وظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة للمتشابهات ، رافعة لتشابهها .
والحق هو المعنى الثالث ، فإن معنى الأمومة الذي يدل عليه قوله :
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
يتضمن عناية زائدة وهو أخص من معنى الأصل الذي فسرت به الأم في القول الأوّل ، فإن في هذه اللفظة أعني لفظة الأم عناية