كتاب دعوة دينية قبل كل شيء ، وحيث إن حاجة التبليغ مستمرة والقصة إحدى وسائل هذا التبليغ ، لذلك فإن الإعجاز في القصة القرآنية سيظل صفة ملازمة لها ، وقد آن أن ننتقل إلى بيان موجز لما في قصص القرآن من إعجاز بياني وعلمي :
1 - البيان والبلاغة :
أ - يتميز القصص القرآني بما فيه من نظم عجيب لا يقلّ في إعجازه عن غيره مما عني الفحول بتصويره دون تفرقة بين آيات الكتاب في الفضائل والمزايا العجاب ، فإذا نظرنا في " قصة نوح " وجدنا أنفسنا في بعض مواضعها أمام تصوير رائع في سورة أفردت لذلك من بين سور القرآن . . فهي تبسط حوارا بينه وبين قومه . . . ثم ضراعة منه إلي ربه ، بعد أن يئس من هدايتهم ، فإذا انتقلنا بعد ذلك لنتصوّر كيف كانت نجاة نوح وما صوّرته في ذلك سورة هود وكيف أمره اللّه سبحانه أن يصنع الفلك بعينه ووحيه ، وكيف أدخل فيها من شاء اللّه نجاته ، وكيف جرت به في موج يشبه في التصوير القرآني بأنه كالجبال ، وكيف اتجه الخطاب إلي الأرض بأن تبلع الماء وللسماء بأن تقلع ، وكيف ذهب الذي طاف بجميع الأرجاء ، وكيف صدر اللّه سبحانه بالفعل المبني للمجهول ونائب الفاعل كلا من غيض الماء ، وقضاء أمر الهلاك ونجاة المؤمنين ، وإبعاد الظالمين في هذه الجمل الثلاث الآتية :
" وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "
( سورة هود : 44 ) 16 .
ومن خير ما قيل عن وجوه البلاغة والفصاحة ، في القصة ما ننقله عن السكاكي في مفتاح العلوم حيث قال : " أما النظر فيها من جهة علم البيان ، فهو أنه تعالي لمّا أراد أن يبيّن معنى أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلي بطنها ، فارتد ، وأن نقطع طوفان السماء ، فانقطع ، وأن يغيض الماء النازل من السماء ، فغاض ، وأن يقضي أمر نوح ، وهو إنجاز ما كنّا وعدناه من إغراق قومه ، فقضي ، وأن نسوّي السفينة علي الجودي ، فاستوت ، وأبقينا الظلمة غرقى - بني الكلام علي تشبيه المراد منه ، بالمأمور الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان ، وتشبيه تكوين المراد ، بالأمر الجزم النافذ في