تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعجاز القصصي في القرآن — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ "
( القمر : 9 - 16 ) . وأخصّ ما يمتاز به أسلوب العرض هنا : الإيجاز البليغ ، والإيقاع الموسيقى السريع ، ولا شك أن للرنين الصوتي أثره القوي في تصوير الحادثة ، شأن القصص الذي نزل في الفترة الأولي للدعوة . فقد كان يعتمد علي الإيجاز والموسيقا اللفظية الأخاذة ، وإبراز الحوادث لزلزلة المشركين من موقف العناد . وقد ذكر اللّه قصة نوح وما كان من قومه في عشر سور ، وهذا التوزيع مقصود في القرآن ، لأنه ليس الغرض من عرض القصة القرآنية تعليم التاريخ منها ، بل بناء الأفكار والمشاعر عليها في شتى المناسبات ، وبمختلف الأساليب . " ولا شك أن ذكر جانب من القصة في سورة لم يذكر في سورة أخري أثناء عرضها لتلك القصة نفسها ، هو من سمات المنهج القرآني في القصة باقتصارها علي موطن القصة منها ، واختلاف المناسبات التي تعرض فيها يسمح بإعادة ذكرها أو ذكر حلقة منها بأسلوب يلائم تلك المناسبة . وهو ميدان فسيح للتصوير الفني والقيم التعبيرية ، وتفنن القرآن في المعاني باختلاف طرق أدائها وأساليب عرضها هو من آيات إعجازه البياني " 28 . وتوزيع القصة الواحدة في القرآن الكريم في عدة سور هو من آثار خضوعها للغرض الديني ، حيث تعرض بالقدر الذي يكفي لأداء هذا الغرض ، ومن الحلقة التي تتفق معه ، فمرة تعرض القصة من أولها ، ومرة من وسطها ، ومرة من آخرها ، وتارة تعرض كاملة ، وتارة يكتفي ببعض حلقاتها ، وتارة تتوسط بين هذا وذاك ، حسبما تكون العبرة في هذا الجزء أو ذاك ، علي النحو التالي : أ - نجد قصصا تعرض منذ الحلقة الأولي : حلقة ميلاد بطلها ، لأن في مولده عظة بارزة وذلك مثل : قصة آدم ( منذ خلقه ) وفيها مظهر لقدرة اللّه ، وكمال علمه ، ونعمته علي آدم وبنيه . . . ومثل مولد " عيسى ابن مريم " : وهو يعرض بتفصيل كامل ، ذلك أن مولده هو الآية الكبرى في حياته ، وحول هذا المولد قام الجدل كله ،