- وما أعقبهما من عصور أدبية زاهية - كانت تتمتع بحياة نقدية راقية ، والدليل على ذلك ما بلغته الأمة حينذاك من الفصاحة والبلاغة " . . . ويقول : " ولدينا أبلغ دليل على تمكنهم من الفهم والنقد وهو نزول القرآن فيهم بهذا المستوى الرفيع من الإعجاز " 13 .
والقرآن الكريم أصدق المصادر في الإنباء عن حياة العرب باتفاق الموافقين والمخالفين ، فإذا حدثنا القرآن بشيء عن العرب أخذناه أخذ الواثق بصحته ، المطمئن إلى صدقه حتى نصل إلى نتيجة علمية واضحة ، فقد وصف منها ما يغلب على الظن صدقه حتى نصل إلى نتيجة علمية واضحة ، فقد وصف القرآن الكريم العرب بالفصاحة ، وذرابة اللسان ، فقال في قوم أظهروا الإيمان والودادة ، وأضمروا الكفر والعداوة :
( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ )
( سورة الأحزاب من آية 19 ) .
ونعتهم بالطول في البلاغة فقال :
" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ "
( البقرة : 204 ) .
وخصّهم بالتفوق في البيان فقال :
( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ )
( المنافقون من آية 4 ) ووسمهم بقوة العارضة والدهاء ، إذ قال :
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ )
( إبراهيم : 46 ) .
وسجّل عليهم اللّدد في الخصومة ، والجدل في المحاورة بقوله :
( وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ )
( الزخرف : 58 ) وبقوله :
( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا )
( مريم : 97 ) .
وذكر عنهم أنهم أولو أحلام ونهى فقال :
( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ )
( الطور : 32 ) .