والعرب يعرفون هذا الضرب من الكلام ، وله نظائر في لغتهم ، وكم من لفظه غريبة عندهم لا تحسن إلا في موضعها ، ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنها تؤكد المعنى الذي سبقت له بلفظها وهيئة منطقها ، فكأن في تأليف حروفها معنى حسيا ، وفي تألف أصواتها معنى مثله في النفس . .
3 - ومن الألفاظ التي لم يستخدمها القرآن لفظة ( الآجر ) وليس فيها من خفة التركيب إلا الهمزة ، وسائرها نافر متقلقل لا يصلح مع هذا المدّ في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن ، فلما احتاج إليها لفظها ولفظ مرادفها وهو ( القرمد ) وكلامها استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما ، ثم أخرج معناها بألطف عبارة وأرقها وأعذبها . وساقها في بيان مكشوف يفضح الصبح ، وذلك في قوله تعالى :
" وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ "
( سورة القصص : 38 ) . . فلننظر هل نجد في سرّ الفصاحة وفي روعة الإعجاز أبرع أو أبدع من هذا ؟ لننظر ونتأمل كيف عبر عن الآجر بقوله :
" فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ "
ولننظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله ( فأوقد ) وما يتلوها من رقة اللام ، فإنها في أثناء التلاوة مما لا يطاق أن يعبّر عن حسنه ، وكأنها تنتزع النفس انتزاعا . .
وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب ، ولكن ما ترمي إليه إعجازا آخر ، فإنها تحقر شأن فرعون ، وتصف ضلاله ، وتسفه رأيه ، إذ طمع أن يبلغ الأسباب ، أسباب السماوات فيطلع إلى إله موسى ، وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سلما ، إلا شيئا يصنعه هامان من الطين 47 .
4 - وما يشذ في القرآن الكريم حرف واحد عن قاعدة نظمه المعجز ، حتى أننا لو تدبرنا الآيات التي لا نقرأ فيها إلا ما يسرده من الأسماء الجامدة ، وهي بالطبع فطنة أن لا يكون فيها شيء من دلائل الإعجاز ، فإننا نرى إعجازها أبلغ ما يكون في نظمها وجهات سردها ، ومن تقديم اسم على غيره أو تأخيره عنه ، لنظم حروفه