تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ولا يهتبل غرة ذاهلة ولا يستعد لنهزة سانحة
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ
. ثم هو على هذا كله من أمره وأمرهم لا يتأتى إليهم بالتمويه ، ولا يداخلهم بالنفاق ، ولا يتألفهم على باطلهم ، ولا ينزل في العقيدة على حكمهم ، ولا يداهن في خطابهم ، ولا يرفق بهم فيما يتخيلون وما يعبدون ، ولا يحكم ذلك الأمر من ناحية الدهاء والمخاتلة ، فيقرهم على طباعهم وعاداتهم ، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ، ويمد لهم في الغي مدا من أمر ما أعجبهم ومن شأن ما استخفهم كما يصنع دهاة السياسة وقادة الأمم ، وكما صنع داهية أوروبا نابليون ؛ الذي انتحل الكثلكة في حرب الفنديين ، وأسلم في مصر « 1 » ، وجهر بعصمة البابا في حرب إيطاليا ؛ وقال مع ذلك : لو كنت أحكم شعبا يهوديا لأعدت هيكل سليمان ! . ثم يكون مع هذا كله من فعله وفعلهم أن يثوب إليه الأمر ويستوسق على ما أراد ، وأن تعطيه تلك الأمة عن يد وهي صاغرة للحق وتبذل نصرها له بعد التخذيل عنه ، وتسكن إليه بعواطفها المستنفرة وتعطف عليه بقلوبها الجامحة ، وهو الراغب عن سننهم ، والمسفّه لأحلامهم ، والطاعن عليهم وعلى آبائهم ، والمفارق لشرائعهم وعاداتهم ، وهو الذي خرج من الأمة أولا ، ثم أخرج الأمة كلها من نفسها آخرا كما اتفق للنبي صلّى اللّه عليه وسلم . ما عهدنا ذلك ، ولا عهدنا أن الأمم تخرج من طبائعها النفسية وتستقيم لمن يتلوى لها مثل هذا الالتواء ، وتدخل في أمر ، وتثبت على طاعته ومحبته وهو أضعف ناصرا وأقل عدّا ؛ إلا أن يغلبها على أنفسها ، ويمتلك خيالها ، ويستبد بتصورها ؛ كيف له أن يغلب على النفس بتنفيرها ، ويمتلك الخيال بالعنف عليه ، ويستبد بالتصور وهو يسترذله ؛ ومن أين له ذلك إلا أن يأتي الفطرة التي هي أساس هذه كلها ، فيملكها ، ثم يصوغها ، ثم يصرفها ، فإن الذي لا يدفع الطبع لا يدفع الرغبة ، ومن لم يقد الأمة من رغائبها لم يقد في زمامه غير نفسه ، وإن كان بعد ذلك من كان ، وإن جهد وإن بالغ ! . وهذا الذي وصفناه ، أمر لو ذهبت تلتمسه في تاريخ الأرض كلها ما رأيت أسبابه الفطرية في غير أولئك العرب ، ولا رأيت تحقيقه في العرب إلا من ناحية القرآن وإعجازه ، بنظمه وأساليبه وافتنانه على هذه الوجوه المعجزة ، التي أقل ما توصف به أنها السحر ، بل السحر بعضها « 2 » وكان ذلك فيهم فيكونوا هم دليله من بعد .
هامش
( 1 ) كان نابليون يقول : إن مصر لتساوي عمامة ! كأن العمامة على ضميره لا على رأسه . ( 2 ) وذلك فيما نرى إنما هو وجه الحكمة في نشأة هذا الدين عربيا واختصاص العرب بالقرآن دون غيرهم من الأمم ، وإفراد قريش بذلك دون غيرها من العرب ، ومن يقرأ صدر التاريخ في الإسلام ويعتبر
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه — صفحة 116 | مصطفى صادق الرافعي