تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسد الغابة ( دار الفكر ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
واستشهد مرثد في غزوة الرجيع مع عاصم بن ثابت ، سنة ثلاث . ولما هاجر آخى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بينه وبين أوس بن الصامت ، وكان يحمل الأسارى من مكة إلى المدينة ، لشدّته وقوّته . وكان بمكة بغى يقال لها « عناق » ، وكانت صديقة له في الجاهلية ، وكان قد وعد رجلا أن يحمله من أهل مكة ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى حائط من حيطان مكة في ليلة قمراء ، قال : فجاءت عناق فأبصرت سوادي ، فلما رأتني عرفتني ، فقالت : مرثد ؟ قلت : مرثد . قالت : مرحبا وأهلا ، تعال فبتّ عندنا الليلة . قال : فقلت : يا عناق ، إن اللَّه حرم الزنا ! قالت : يا أهل مكة ، إن هذا يحمل الأسرى من مكة ! قال : فتبعني ثمانية رجال ، وسلكت الخندمة [ ( 1 ) ] ، فانتهيت إلى كهف فدخلته ، وجاءوا حتى قاموا على رأسي ، وعماهم اللَّه عنى ، ثم رجعوا ، ورجعت إلى صاحبي فحملته ، وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر [ ( 2 ) ] ، ففككت عليه كبله [ ( 3 ) ] ، ثم قدمت المدينة فأتيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقلت : يا رسول اللَّه ، أنكح عناق ؟ فأمسك رسول اللَّه حتى نزلت هذه الآية :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
[ ( 4 ) ] . . . الآية . قال ابن إسحاق : كان مرثد بن أبي مرثد أمير السرية التي أرسلها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى الرّجيع ، وذلك في صفر سنة ثلاث من الهجرة [ ( 5 ) ] . وقال غيره : كان الأمير عليها عاصم بن ثابت . وتقدّمت القصة في خبيب بن عدىّ [ ( 6 ) ] وعاصم [ ( 7 ) ] وروى مرثد عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أنه قال : « إن سرّكم أن تقبل صلاتكم فليؤمّكم خياركم ، فإنّهم وفدكم » [ ( 8 ) ] . قال القاسم أبو عبد الرحمن الشامي : حدثني مرثد . قال أبو عمر : هكذا الحديث ، وهو عندي وهم وغلط ، لأن من قتل في حياة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يدركه القاسم ، ولا يجوز أن يقول فيه : « حدثني » ، لأنه منقطع ، أرسله القاسم ، واللَّه أعلم . أخرجه الثلاثة .
هامش
[ ( 1 ) ] الخندمة - بفتح الخاء - : جبل بمكة . [ ( 2 ) ] كذا في المطبوعة والمصورة . وفي اللسان ، مادة ذخر : « ثنية الأذاخر : هي موضع بين مكة والمدينة ، وكأنها مسماة بجمع الإذخر » . [ ( 3 ) ] الكبل : القيد . [ ( 4 ) ] سورة النور ، آية : 3 . وينظر تفسير الطبري ط الأميرية : 18 / 56 . [ ( 5 ) ] سيرة ابن هشام : 2 / 171 . [ ( 6 ) ] تنظر الترجمة 1417 : 2 / 120 / 122 . [ ( 7 ) ] تنظر الترجمة 2663 : 3 / 111 ، 112 . [ ( 8 ) ] تكملته كما في الاستيعاب 3 / 1384 : « فإنّهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم » .