ولا يمنعه من ذلك علو منزلته إن كانت له وإن كان العالم خاملا « 1 » فإن العلماء بعلمهم قد استحقوا التعظيم لا بالقدرة والمال . وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد :
لا تحقرن عالما وإن خلقت « 2 » * أثوابه في عيون رامقه « 3 »
وانظر إليه بعين ذي أدب * مهذب الرأي في طرائقه
فالمسك بينا تراه ممتهنا * بفهر « 4 » عطاره وساحقه « 5 »
حتى تراه في عارضي « 6 » ملك * وموضع التاج من مفارقه « 7 »
وليكن مقتديا بهم في رضى أخلاقهم متشابها بهم في جميع أفعالهم ليصير لها آلفا وعليها ناشئا ولما خالفها مجانبا . فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « خيار شبابكم المتشبهون بشيوخكم وشرار شيوخكم المتشبهون بشابكم » . وروي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من تشبه « 8 » بقوم فهو منهم » : وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد :
العالم العاقل ابن نفسه * أغناه جنس علمه « 9 » علمه عن جنسه
كن ابن من شئت وكن مؤدبا * فإنما المرء بفضل كيسه « 10 »
وليس من تكرمه لغيره * مثل الذي تكرمه لنفسه
وليحذر المتعلم التبسيط « 11 » على من يعلمه وإن آنسه والادلال عليه وإن
هامش
( 1 ) خاملا : لا منزلة له ولا شهرة له بين الناس .
( 2 ) خلقت : بليت .
( 3 ) رامقه : ناظره .
( 4 ) الفهر : بكسر فسكون : الحجر قدر ما يدق به الجوز ، أو يملأ الكف .
( 5 ) وساحقه : السحق : الدق أو دون الدق ، يعني التليين .
( 6 ) عارضي ملك : في صفحة خديه .
( 7 ) مفارقه : يعني لحيته وشعر رأسه .
( 8 ) من تشبه بقوم : قال المناوي : أي تزيا في ظاهره بزيهم قال العلقمي : أي في لبسهم وبعض أنعالهم .
( 9 ) أغناه جنس علمه . . . : أي أغناه الانتساب بالعلم عن الانتساب بآبائه .
( 10 ) كيسه : الكيس : الذكاء والفطنة ، مقابل الحمق والبلاهة .
( 11 ) البسط : التسلط والاستيلاء على طريق الإدلال .