معترض والنسيان طارق « 1 » . وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال :
« قيدوا « 2 » العلم بالكتاب » . وروي أن رجلا شكا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم النسيان فقال له : استعمل يدك أي اكتب حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت . وقال الخليل بن أحمد : اجعل ما في الكتب رأس المال وما في قلبك النفقة . وقال مهبود : لولا ما عقدته « 3 » الكتب من تجارب الأولين لانحل مع النسيان عقود الآخرين . وقال بعض البلغاء : إن هذه الآداب نوافر تند « 4 » عن عقل « 5 » الأذهان فاجعلوا الكتب عنها حماة « 6 » والأقلام لها رعاة . وأما الطارئ فنوعان :
أحدهما شبهة تعترض المعنى فتمنع من تصوره وتدفع عن إدراك حقيقته فينبغي أن يزيل تلك الشبهة عن نفسه بالسؤال والنظر ليصل إلى تصور المعنى وإدراك حقيقته . ولذلك قال بعض العلماء : لا تخل « 7 » قلبك من المذاكرة فتعود عقيما « 8 » ولا تعف طبعك من المناظرة فتصير سقيما وقال بشار « 9 » بن برد :
شفاء العمى طول السؤال وإنما * دوام العمى طول السكوت على الجهل
فكن سائلا عما عناك فإنما * دعيت أخا « 10 » عقل لتبحث بالعقل
والثاني أفكار تعارض الخاطر فتذهل عن تصور المعنى وهذا سبب قلما يعرى « 11 » منه أحد لا سيما من انبسطت آماله واتسعت أمانيه وقد يقل فيمن لم
هامش
( 1 ) طارق : آت بمرور الأيام .
( 2 ) قيدوا العلم . . . : رواه الحكيم عن أنس ، والطبراني والحاكم عن ابن عمرو بن العاص .
( 3 ) عقدته : ضمنته وحفظته .
( 4 ) يند : ند البعير يند إذا شرد ونفر .
( 5 ) عقل ؛ جمع عقال ، ككتاب وكتب .
( 6 ) حماة : جمع حام ، من حمى الشيء يحميه إذا منع ودفع عنه ما يؤذيه .
( 7 ) لا تخل قلبك : لا تجعله خاليا .
( 8 ) عقيما : كالمرأة التي لا زوج لها .
( 9 ) بشار بن برد : بن يرجوخ ، الشاعر المقدم ، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية . كان جده من طخارستان من سبى المهلب ، وكان يلقب بالمرعثة لرعاث في أذنه وهو صغير - الرعاث القرط - ولد أعمى ، وكان يشبه الأشياء بما لا يقدر عليه البصراء ، وكان يتهم بالزندقة وهو أشعر المولدين على الإطلاق ، قتل سنة 167 ه - .
( 10 ) أخا عقل : صاحب عقل .
( 11 ) يعرى : يخلو .