وقال الخليل بن أحمد : يرتع « 1 » الجهل بين الحياء والكبر في العلم . ومنها وفور شهواته وتقسم أفكاره . وقال الشاعر :
صرف الهوى عن ذي الهوى عزيز « 2 » * إن الهوى ليس له تمييز « 3 »
وقال بعض البلغاء : القلب إذا علق « 4 » كالرهن إذا علق « 5 » . ومنها الطوارق المزعجة والهموم المذهلة . وقد قيل في منثور الحكم : الهمّ قيد الحواس . وقال بعض البلغاء من بلغ أشدّه « 6 » لاقى من العيش اشدّه . ومنها كثرة أشغاله وترادف « 7 » أحواله حتى إنها تستوعب زمانه وتستنفد « 8 » أيامه فإذا كان ذا رئاسة ألهته وإن كان ذا معيشة قطعته ولذلك قيل : تفقهوا قبل « 9 » أن تسوّدوا . وقال بزرجمهر : الشغل مجهدة والفراغ مفسدة . فينبغي لطالب العلم أن لا يني « 10 » في طلبه وينتهز الفرصة « 11 » به فربما شح « 12 » الزمان بما سمح
هامش
( 1 ) يرتع : يقال رتع يرتع رتعا ورتوعا إذا أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة ، والمراد من رتع الجهل : مأواه ومقره الذي يوجد فيه .
( 2 ) عزيز : نادر جدا .
( 3 ) ليس له تمييز : أي فلا يفرق بين الحق والباطل ، والضار والنافع .
( 4 ) علق : أحب وعشق .
( 5 ) غلق الرهن : استحقه المرتهن ، وذلك إذا لم يفكه في الوقت المشروط فالغلق ضد الفك . وكان من أفعال الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت الموقت ملك المرتهن الرهن فأبطله الإسلام كما في حديث أبي هريرة عن ابن ماجة « لا يغلق الرهن » والمبنى لا يستحقه المرتهن إذا لم يفكه صاحبه .
( 6 ) بلغ أشدّه : استكمل واستحكم قوته وعقله . واختلف في أنه مفرد أو جمع .
( 7 ) ترادف : تتابع .
( 8 ) تستنفد أيامه : تفنيها .
( 9 ) تفقهوا قبل . . . : قائله عمر رضي اللّه عنه ، قال تفقهوا : هو بضم التاء وتشديد الواو ( تسوّدوا ) أي تصيروا سادة ، من ساد قومه يسودهم سيادة ، قال أبو عبيدة : أي تفقهوا وأنتم صغار قبل أن تصيروا سادة فتمنعكم الأنفة عن الجهالة فتبقوا جهالا .
( 10 ) أن لا يني : أن لا يفتر .
( 11 ) وينتهز الفرصة : يغتنمها ولا يفوتها .
( 12 ) شح الزمان بما سمح : نحل الزمان بما أعطى .