الحكماء : لم لا يجتمع العلم والمال فقال : لعز الكمال . وأنشدت لبعض أهل هذا العصر :
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحيي بالعلم ميت * فليس له حتى النشور « 1 » نشور
ووقف بعض المتعلمين بباب عالم ثم نادى تصدقوا علينا بما لا يتعب ضرسا ولا يسقم نفسا فأخرج له طعام ونفقة فقال : فاقتي إلى كلامكم أشد من حاجتي إلى طعامكم إني طالب هدى لا سائل ندى « 2 » فأذن له العالم وأفاده عن كل ما سأل عنه فخرج جذلا « 3 » فرحا وهو يقول علم أوضح لبسا « 4 » خير من مال أغنى نفسا * وأعلم أن كل العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها محال . قيل لبعض الحكماء : من يعرف كل العلوم فقال :
كل الناس « 5 » . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه « 6 » حقه ووضعه في غير منزلته التي وصفه اللّه بها حيث يقول :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
. وقال بعض العلماء : لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته لكنا قد بدأنا العلم بالنقيصة ولكنا نطلبه لننقص في كل يوم من الجهل ونزداد في كل يوم من العلم . وقال بعض العلماء : المتعمق في العلم كالسابح في البحر ليس يرى أرضا ولا يعرف طولا ولا عرضا وقيل . وقيل لحماد « 7 » الراوية :
أما تشبع من هذه العلوم فقال : استفرغنا فيها المجهود فلم نبلغ منها المحدود فنحن كما قال الشاعر :
هامش
( 1 ) النشور : القيام من القبور للبعث .
( 2 ) ندى : عطية أي شيئا من العطاء .
( 3 ) جذلا : على وزن كتف : مسرورا ، ومتبهجا .
( 4 ) لبسا : شبهة .
( 5 ) كل الناس : أي بطريقة انقسام الآحاد إلى الآحاد .
( 6 ) بخسه : ظلمه ونقصه ، وبابه فتح .
( 7 ) حمّاد الراوية : أبو القاسم حماد بن ميسرة الشيباني ، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية ، لقب بالراوية ، لكثرة روايته لأشعار العرب . توفي سنة 165 .