ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة « 1 » ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيب غراب يردّ قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر » . فالعدوى ما يظنه الناس من تعدّي العلل والأمراض فأخبر أنه لا تعدي فقيل يا رسول اللّه إنا نرى النقبة من الجرب في مشفر « 2 » البعير فتتعدّى إلى جميعه فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : فما أعدى الأول .
وأما الهامة فهو ما كانت العرب في الجاهلية تعتقده من أن القتيل إذا طلّ دمه فلم يدرك بثأره صاحت هامته في القبر اسقوني . قال الزبرقان بن زيد يعنيها :
يا عمرو إلّا تدع شتمي ومنقصتي * أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
وقال إبراهيم بن هرمة
وكيف وقد صاروا عظاما وأقبرا * يصيح صداها بالعشيّ وهامها
تفانوا ولم يبقوا وكل قبيلة * سريع إلى ورد الفناء كرامها
وأما الصفر فهو كالحية يكون في الجوب يصيب الماشية والناس وهو أعدى عندهم من الجرب وفيه يقول الشاعر :
لا يمسك الساق « 3 » من أين « 4 » ولا وصب « 5 » * ولا يعض على شرسوفه « 6 » الصفر
وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا ظننتم فلا تحققوا وإذا حسدتم فلا تبغوا « 7 » وإذا تطيرتم فامضوا وعلى اللّه فتوكلوا » وقال الشاعر :
هامش
( 1 ) الطيرة : بكسر الطاء وفتح الياء : التشاؤم بالشيء . واستعمالها في المكروه ، والفأل بالعكس .
( 2 ) مشفر البعير : شفته الإبل .
( 3 ) الساق : هو ما بين الكعب والركبة .
( 4 ) اين : على وزن « زين » المشقة ، يقال : آن يئن إذا أعيا .
( 5 ) الوصب : هو المرض .
( 6 ) شرسوفه : هو على وزن عصفور : غضروف معلق بكل ضلع ، أو هو مقط الضلع ، وهو الطرف المشرف على البطن ، والغضروف العظم الرخو الذي يؤكل .
( 7 ) فلا تبغوا : أي لا تظلموا المحسود ، ولا تؤذوه .