تحبط كل حسنة وبمذمة تهدم كل فضيلة مع ما يثيره من حنق ويكسبه من حقد . حكى عمر بن حفص قال : قيل للحجاج : كيف وجدت منزلك بالعراق قال : خير منزل لو كان اللّه بلغني قتل أربعة فتقرّبت إليه بدمائهم قيل : ومن هم قال : مقاتل بن مسمع ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال فلما عزل دخل مسجد البصرة فبسط الناس له أرديتهم فمشى عليها وقال لرجل يماشيه :
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
وعبد اللّه بن زياد بن ظبيان التيمي خوف أهل البصرة أمرا فخطب خطبة أوجز فيها فنادى الناس من أعراض المسجد أكثر اللّه فينا مثلك فقال : لقد كلفتم اللّه شططا ومعبد ابن زرارة كان ذات يوم جالسا في طريق فمرت به امرأة فقالت له : يا عبد اللّه كيف الطريق إلى موضع كذا فقال : يا هناه مثلي يكون من عبيد اللّه .
وأبو شمال الأسدي أضل راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها فقال : إن قد ردّ اللّه راحلتك فصل فقال إن يميني يمين مصرّ . فانظر إلى هؤلاء كيف أفضى بهم العجب إلى حمق صاروا به نكالا في الأوّلين ومثلا في الآخرين .
ولو تصوّر المعجب المتكبر ما فطر عليه من جبلة وبلى به من مهنة لخفض جناح نفسه واستبدل لينا من عتوّه وسكونا من نفوره . وقال الأحنف بن قيس : عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر وقد وصف بعض الشعراء الإنسان فقال :
يا مظهر الكبر إعجابا بصورته * أنظر خلاك فإن النتن تثريب « 1 »
لو فكر الناس فيما في بطونهم * ما استشعر الكبر شبان ولا شيب
هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة * وهو بخمس من الأقذار مضروب
أنف يسيل وأذن ريحها سهك « 2 » * والعين مرفضة « 3 » والثغر ملعوب « 4 »
يا ابن التراب ومأكول التراب غدا * أقصر فإنك مأكول ومشروب
هامش
( 1 ) تثريب : ثربه إذا لامه وعيره بذنبه .
( 2 ) سهك : متعفن وخبيث .
( 3 ) مرفضة : يقال ارفضّ الدمع إذا ترشش .
( 4 ) ملعوب : ذو لعاب .