عيسى بن مريم عليه السلام بالفقر فقال : من الغنى دهيتم « 1 » . ودخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئا يقعدون عليه فقال : لو كانت الدنيا دار مقام لا تخذنا لها أثاثا . وقيل لبعض الزهاد : ألا توصي قال بما ذا أوصي واللّه ما لنا شيء ولا لنا عند أحد شيء ولا لأحد عندنا شيء . أنظر إلى هذه الراحة كيف تعجلها وإلى السلامة كيف صار إليها ولذلك قيل : الفقر ملك ليس فيه محاسبة . وقيل لعيسى بن مريم عليهما السلام : ألا تتزوّج ؟ فقال : إنما نحب التكاثر في دار البقاء وقيل : لو دعوت اللّه تعالى أن يرزقك حمارا ؟
فقال : أنا أكرم على اللّه من أن يجعلني خادم حمار . وقيل لأبي حازم رضي اللّه عنه : ما مالك ؟ قال شيئان : الرضا عن اللّه والغنى عن الناس وقيل له :
إنك لمسكين فقال : كيف أكون مسكينا ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ؟ . وقال بعض الحكماء : رب مغبوط بمسرّة هي داؤه ومرحوم من سقم هو شفاؤه . وقال بعض الأدباء : الناس أشتات ولكل جمع شتات « 2 » . وقال بعض البلغاء : الزهد بصحة اليقين وصحة اليقين بنور الدين فمن صح يقينه زهد في الثراء « 3 » ومن قوى دينه أيقن بالجزاء فلا تغرنك صحة نفسك وسلامة أمسك فمدّة العمر قليلة وصحة النفس مستحيلة . وقال بعض الشعراء :
رب مغروس يعاش به * عدمته عين مغترسه
وكذلك الدهر مأتمه « 4 » * أقرب الأشياء من عرسه « 5 »
فإذا رضت نفسك من هذه الحال بما وصفت اعتضت منها ثلاث خلال : إحداهنّ نصح نفسك وقد استسلمت إليك والنظر لها وقد اعتمدت عليك فإنّ غاش نفسه مغبون والمنحرف عنها مأفون . والثانية الزهد فيما
هامش
( 1 ) دهيتم : أي أصبتم بالداهية والطغيان . ودواهي الدهر : ما يصيب الناس من عظيم نوبه .
( 2 ) شتات : أي تفرق ، يقال : شت الشمل إذا تفرق .
( 3 ) في الثراء : يقال : ثرى المال إذا كثر .
( 4 ) مأتمه : المأتم على وزن مقعد : هو كل مجتمع في حزن أو فرح ، أو خاص بالنساء أي بالثواب ، وغلب في مجتمع الناس في حزن .
( 5 ) من عرسه : بفتحتين : شدة السرور .