لمحمد بن كعب القرظي « 1 » عظني . فقال : لا أرضى نفسي لك واعظا لأني أجلس بين الغني والفقير فأميل على الفقير وأوسع للغني ولأن طاعة اللّه تعالى في العمل لوجهه لا لغيره . وحكى أن قوما أرادوا سفرا فحادوا عن الطريق فانتهوا إلى راهب فقالوا : قد ضللنا فكيف الطريق فقال : هاهنا وأوما بيده إلى السماء .
والقسم الثاني أن يفعل الزيادة اقتداء بغيره وهذا قد تثمره مجالسة الأخيار الأفاضل وتحدثه مكاثرة الأماثل « 2 » . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » . فإذا كاثرهم المجالس وطاوله المؤانس أحب أن يقتدي بهم في أفعالهم ويتأسى بهم في أعمالهم ولا يرضى لنفسه أن يقصر عنهم ولا أن يكون في الخير دونهم فتبعثه المنافسة « 3 » على مساواتهم وربما دعته الحمية إلى الزيادة عليهم والمكاثرة لهم فيصيرون سببا لسعادته وباعثا على استزادته والعرب تقول : لولا الوثام « 4 » لهلك الأنام أي لولا أن الناس يرى بعضهم بعضا فيقتدي بهم في الخير لهلكوا . ولذلك قال بعض البلغاء : من خير الاختيار صحبة الأخبار ومن شر الاختيار مودّة الأشرار وهذا صحيح لأن للمصاحبة تأثيرا في اكتساب الأخلاق فتصلح أخلاق المرء بمصاحبة أهل الصلاح وتفسد بمصاحبة أهل الفساد . ولذلك قال الشاعر :
رأيت صلاح المرء يصلح أهله * ويعيدهم داء الفساد إذا فسد
يعظم في الدنيا بفضل صلاحه * ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر الخوارزمي :
هامش
( 1 ) محمد بن كعب القرظي : المديني حليف الأوس ، سمع زيد بن أرقم وغيره ، توفي بالمدينة سنة 117 وهو ابن 98 سنة .
( 2 ) الأماثل : جمع أمثل كأفضل لفظا ومعنى .
( 3 ) المنافسة : يقال : نافس في الكرم فلانا إذا رغب فيه على وجه المباراة .
( 4 ) الوئام : من واءمه وئاما إذا وافقه أو باهاه .