تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المخصص — صفحة 3

مساهمون:

ص٣
رَسْمًا لِما تُصُوِّرَ وهَجَسَ من ذلك في النُّفوس فعَلِمْنا بذلك أنَّ اللُّغَةَ اضْطِرارِيَّةٌ وان كانتْ موضوعاتُ ألفاظِها اخْتِياريةً فانَّ الواضعَ الأوّلَ المُسَمّىِ للَاقَلِّ جُزْأً وللأكثرِ كُلًّا ولِلَّوْنِ الذي يُفَرِّقُ شُعاعَ البَصَرِ فيَبُثُّه ويَنْشُرُه بَياضًا وللذِى يَقْبِضُه فَيَضُمُّه ويَحْصُره سَوادا لو قَلَبَ هذه التسميةَ فسَمَّى الجُزْءَ كُلًّا والكلَّ جزأً والبياضَ سَوادًا والسوادَ بياضًا لم يُخِلَّ بموضُوع ولا أَوْحَشَ أسماعَنا مِنْ مَسْمُوع ونحنُ مع ذلك لا نَجِدُ بُدًّا من تسميةِ جميعِ الأشياء لِتُحْتازَ بأسمائِها ويَنْمازَ بعضُها من بعضٍ باجْراسِها وأَصْدائِها كما تَبايَنَتْ أَوّلَ وَهْلةٍ بطِباعِها وتَخالفتْ قبلَ ذلك بصُوَرِها وأوضاعِها ونِعِمَّا ما سدَّدَتِ الحُكماءُ اليه في ذلك من دَقيقِ الحِكْمةِ ولَطيفِ النَّظَرِ والصَّنعةِ لما حَرِصُوا عليه مِنَ الايضاح وأَغَذُّوا اليهِ من ايثارِ الابانةِ والافْصاح فأَمَّا اللفظةُ التي تَدُلُّ على كَمّيَّتَيْنِ مُخْتلِفَتَيْنِ مُنْفَصِلَتين أو مُتَّصِلَتينِ كالبَشَرِ الذي يَقَعُ على العَددِ القليل والكثير والجَلَلِ الذي يَقَعُ على العظيم والصغيرِ واللفظةُ التي تَدُلُّ على كَيْفِيَّتينِ مُتَضادَّتينِ كالنَّهَلِ الواقعِ على العَطَشِ والرِّىِّ واللفظةُ الدالةُ على كيفيات مختلفةٍ كالجَوْنِ الواقِع على السوادِ والبياضِ والحُمْرةِ وكالسُّدْفةِ المَقُولةِ على الظُّلمةِ والنُّورِ وما بينهما من الاختِلاطِ فسآتِى على جميعِها مُسْتَقْصًى في فصلِ الاضْدادِ من هذا الكتابِ مُثْبِتًا له غَيْرَ جاحِد ومُضطَرًّا إلى الاقْرارِ به على كُلِّ نافٍ مُعانِد ومُبَرِّئًا للحُكماءِ المُتواطِئِينَ على اللغةِ أو المُلْهَمِينَ إليها مِنَ التَّفْرِيط ومُنَزِّهًا لهم عن رَأْىِ مَنْ وَسَمَهُم في ذلك بالذَّهابِ إلى الالْباسِ والتَّخْلِيط وكذلك أقولُ على الأسماء المُترادفةِ التي لا يَتَكَثَّرُ بها نَوْع ولا يَحْدُثُ عن كَثْرتِها طَبْع كقولنا في الحجارةِ حَجَرٌ وَصفاةٌ ونَقَلةٌ وفي الطويلِ طَوِيلٌ وسَلِبٌ وشَرْحَبٌ وعلى الأسماء المُشْتَركةِ التي تَقَعُ على عِدَّةِ أنواع كالعَيْن المَقُولةِ على حاسَّةِ البصرِ وعلى نَفْسِ الشىءِ وعلى الرَّبِيئَةِ وعلى جَوْهَرِ الذَّهبِ وعلى يَنْبُوعِ الماءِ وعلى المَطرِ الدائمِ وعلى حُرِّ المَتاعِ وعلى حَقِيقةِ القِبْلةِ وغيرِ ذلك من الانواعِ المَقُولةِ عليها هذِه اللفظةُ ومِثْلُ هذا الاسمِ مُشْتَرَكٌ كَثِيرٌ وكُلُّ ذلك سَتَراهُ واضِحًا أَمْرُه مُبَيَّنًا عُذْرُه في موضِعِه ان شاء اللّه وقد اختلفوا في اللغةِ أَ مُتَواطَأٌ عليها أم مُلْهَمٌ إليها وهذا مَوْضِعٌ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأَمُّلٍ غَيْرَ أنّ أكثَر أهلِ النظرِ على أنّ أصلَ اللغةِ انما هو تَواضُعٌ واصطلاحٌ لا وَحْىٌ ولا تَوْقِيفٌ إلَّا أنّ
المخصص — صفحة 3 | ابن سيده