وفي قوله تعالى :
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
قال القرطبي : فيه تسع مسائل :
الأولى : قوله :
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ
يعني العسل ، فقد ورد عن علي ( ع ) أنه قال في تحقيره للدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ( يعني الحرير ) وأشرف شرابه رجيع نحلة ( يعني العسل ) .
الثانية : قوله :
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر ، والجامد والسائل ، دليل على أنّ القدرة نوعته بحسب تنويع الغذاء ، كما يختلف باختلاف المراعي .
الثالثة : قوله :
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
الضمير للعسل ، قاله الجمهور ، أي في العسل شفاء للناس ، وقيل الضمير للقرآن . قال القاضي أبو بكر بن العربي : من قال إنه القرآن بعيد ما أراه يصح عنهم ، ولو صح نقلا لم يصح عقلا فإنّ مساق الكلام كله للعسل .
الرابعة : اختلف العلماء في قوله تعالى :
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
هل هو على عمومه أم لا ، فقالت طائفة هو على العموم في كل حال ولكل إنسان ، فقد روي عن ابن عمر ، أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا ، حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا . وروي أنّ عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له ألا نعالجك ؟ فقال : إيتوني بماء فإنّ اللّه تعالى يقول :
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
. ثم قال : إيتوني بعسل فإنّ اللّه تعالى يقول :
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
ثم قال : إيتوني بزيت فإنّ اللّه تعالى يقول :
مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
، فجاؤوه بذلك كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرئ .
وقالت طائفة إنّ ذلك على الخصوص ولا يقتضي في كل علة وفي كل إنسان بل إنه خبر عن أنّه يشفي ، ففائدة الآية إخبار عنه أنه دواء لما كثر الشفاء به ، وليس بأول لفظ خصص ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام .
الخامسة : الماء حياة كل شيء وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يضاره . وقد رأينا شفاء العسل ، على أنّ النبي ( ص ) قد حسم الإشكال وأزاح عنه وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل ، فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقا أمره بعود الشراب فبرئ ، وقال : صدق اللّه وكذب بطن أخيك .
السادسة : لسنا نستظهر على قول نبينا ( ص ) بأن يصدقه الأطباء ، بل لو كذبوه لكذبناهم وصدقناه ( ص ) .