تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الأوساط الغنوصية من اهتمام بالغ « بحديث العقل » ؛ الأمر الذي لانعدم صداه فيما ورد ضمن الرسالة الصغيرة الهامة المنسوبة للرازي بعنوان « المدخل الصغير إلى علم الطب » « 1 » . إن صورة العقل عن الرازي لم تكن صورة « بنية » مكتملة أولانيا ، ولكن العقل عنده أقرب إلى أن يكون « امكانية » تتحقق دواما أو « استعدادات » تصقلها المجاهدة أبدا . ومع اعتزاز الرازي بما حصّله من مكانة عقلية رفيعة تميزّه عن العامة والأدعياء فإنه يعترف بما لا يدع مجالا لاي لبس بأنه ليس مخصوصا دون غيره بطبيعة تخصه فهو يقول : « لم أخصّ بها دون غيرى ، ولكني طلبتها وتوانوا فيها ، وإنما حرموا من ذلك لإضرابهم عن النظر لا لنقص فيهم . . . وإن أحدهم لو صرف همته إلى ما صرفت همتي أنا إليه وطلب ما طلبت لأدرك ما أدركت ، » « 2 » و « الناس لو اجتهدوا واشتغلوا بما يعنيهم لاستووا في الهمم والعقول » « 3 » ، وإن كان من الملاحظ - فيما يرى الرازي - وجود تفاوت واضح
هامش
- ولا دفع ضرر إلّا به ، وكذلك طالب الآخرة المجتهد في العمل المنجى به روحه . لا يقدر على إتمام عمله وإكماله إلا بالعقل ، الذي هو سبب كل خير . ومفتاح كل سعادة . فليس لأحد غنى في العقل . والعقل مكتسب بالتجارب والأدب وله غريزة مكنونة في الانسان ، كامنة كالنار في الحجر ، لا تظهر ولا يرى ضوؤها حتى يقدحها قادح من بنى الانسان . . . . ومن رزق العقل ومن به عليه وأعين على صدق قريحته بالأدب حرص على سعد جدّه . وأدرك في الدنيا أصله ، وحاز في الآخرة ثواب الصالحين » . ( عبد الله بن المقفع » ، « كليلة ودمنه » ، ص 43 - 44 ، طبعة تونس 1976 ) . وراجع أيضا ما قرره « بولس الفارسي »Poulus Persaمن قبل عن مقام العقل ، والذي يرجّح معه أن يكون ابن المقفع قد تأثر به لما بينهما من شبه قوى ، ولمعرفة علاقة ابن المقفع الدقيقة بالأفكار العقلية والدينية التي كانت شائعة في فارس ( راجع : أبو ريدة ، محمد عبد الهادي : في تعليقه على ترجمة كتاب دىيور : « تاريخ الفلسفة في الإسلام » ص 30 - 35 ، 128 - 132 ) . ( 1 ) الرازي : « المدخل الصغير إلى علم الطب » ص 106 ب - مخطوط . ( 2 ) الرازي : « رسائل الرازي » . ( المناظرات ص 296 ) . ( 3 ) نفس المصدر : نفس الموضع . وقارن في ذلك ما يذهب إليه « جاستون جرانجه » من أنه « أيا ما كانت أشكال الثبات للفكر العقلي - في صورته المنطقية مثلا - فإن لديه على الدوام من الحركة ما يجعله يمضى قدما صوب الأبعد . . والعقل يظهر لنا في نهاية الأمر أبعد ما يكون عن صيغة من صيغ التفكير على نحو قاطع وإنما هو فتح مستمر وتنافس أبدى مع الاتجاهات اللاعقلية كالسحر والخرافة والهوى .( Garnger , Gilles Gaston , La Raison'' , PP . 31 , 126 , Presses Universitaires de France , Paris , 1965 ) .