وإذا وضعنا في اعتبارنا أن الإسماعيلية - بما هي دعوة تدافع أساسا عن مفهوم « الإمامة » - المقترن بالنبوة - القاعدة الإيديولوجية للدولة السياسية في أوج ازدهارها في مختلف مناطق العالم الاسلامي المتصارعة أدركنا الدوافع الدينية العنيفة الممتزجة بدواعى السياسة ومخاطرها في حرب الأفكار . ولا يعنى هذا بالضرورة أن أبا بكر الرازي دافع عن فكر سنى لحساب السلطان في مقابل فكر شيعي خارج « 1 » ، وعلى نحو ما عهدناه من مواقف لاحقة في مجابهة الباطنية وكشف « فضائحها » ؛ ولكن الرازي في الحقيقة كانت له دوافعه الإنسانية الخالصة وهو يذود عن كرامة العقل وممارسة حقه المطلق والمشروع .
ونشهد أن الرجل ، وكما عبّر عن ذات نفسه في كتابه « السيرة الفلسفية » ، عاش بالفعل حياة أخلاقية نبيلة . كرّسها لتحصيل المعرفة وتحقيق الفضيلة بعيدا عن مطامح السياسة وشرورها ، غير أن الرازي بأفكاره الفلسفية والدينية التي نادى بها في عصره - كان بلا جدال مصدر خطورة لا يستهان بها في نظر الخصوم ؛ ومتى كان الفكر الحر الحي النافذ أمرا هينا لا يحسب له عند أصحاب السلطان وأشياعهم كل الحساب !
ولم يكن مفكرو الإسماعيلية وحدهم هم خصوم الرازي ، ولكنه وقد اختطّ لنفسه طريقا متفردا كان عليه أن يقف في مواجهة معظم فلاسفة الإسلام ومتكلميه ؛ ذلك أن الفلسفة الإسلامية - فيما يرى كثرة المؤرخين لها - جعلت من أولى مهامها التوفيق بين الفلسفة والدين ، واعتبرت على ذلك فلسفة « توفيقية » في المقام الأول ، وتعدى هذا المنحى مجرد التوفيق بين العقل والنقل إلى التوفيق بين مختلف المذاهب الفلسفية في مزيج واحد ، كما اهتمت بدراسة
هامش
( 1 ) مما يستوجب الملاحظة حقا - في هذا المقام - أن تجرى المناظرة ببلدة الري بين أبى حاتم وبين من يدعوه بالملحد - والذي هو أبو بكر الرازي في زعم الكثيرين - في حضرة الأمير مرداوج بن زيار الديلمي ، وهو من هو في جبروته وقساوته ! الذي ناصر دعوة أبى خاتم .
( راجع سيرة مرداوج في : « مروج الذهب » للمسعودي ، ح 2 ، ص 600 - 604 ) ، وأيضا في : « تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي » لحسن إبراهيم ، الجزء الثالث .
القاهرة 1946 .