هذه الشخصيات ! وتكاد تتناقل العبارات نفسها . . فجابر بن حيان هو الذي دعا إلى التجربة - وكان يسميها : الدربة - حين قال : من كان دربا كان عالما حقّا ، ومن لم يكن دربا لم يكن عالما . وهو الذي حدّد ثلاثة طرق للاستدلال والاستنباط ، وهي :
دلالة المجانسة أو الأنموذج ، دلالة مجرى العادة ، دلالة الآثار . . وبذلك : فهو يصوّر حدود المنهج التجريبى أدق تصوير « 1 » .
أما ابن الهيثم ، فقد : سلك في بحوثه طريقة للنظر في المسائل العلمية ، يؤخذ فيها بالاستقراء ، ويعتمد فيها على التجربة ، ويؤدى فيها القياس دورا في استنباط النتائج التي تفضى إليها النظرية أو القانون . . إلخ « 2 » وهو ما لخّصه ابن الهيثم في عبارته الشهيرة . . البديعة :
نبتدئ في البحث باستقراء الموجودات ، وتصفّح أحوال المبصرات ، ونميّز خواص الجزئيات ، ونلتقط بالاستقراء
ما يخصّ البصر في حال الإبصار ، وما هو مطرد ثابت لا يتغير ، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس . ثم نترقّى في البحث والمقاييس ، على التدرّج والترتيب ، مع انتقاد المقدمات ، والتحفّظ في النتائج ، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفّحه ، استعمال العدل ، لا اتباع الهوى ، ونتحرّى في سائر ما نميّزه وننتقده ، طلب الحقّ لا الميل مع الآراء ؛ فلعلنا ننتهى بهذا الطريق ، إلى الحق الذي به يثلج الصدر « 3 » ، ونصل بالتدرّج والتلطّف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين ، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم مواد الشبهات . وما نحن
هامش
( 1 ) د . جلال موسى : منهج البحث العلمي عند العرب ( دار الكتاب اللبناني - بيروت 1972 ص 134 .
وقارن معه ، على سبيل المثال لا الحصر :
د . زكى نجيب محمود : جابر بن حيان ( سلسلة : أعلام العرب ) ص 57 وما بعدها .
د . على سامى النشار : مناهج البحث عند مفكري الإسلام ( دار النهضة العربية ) ص 336 وما بعدها .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 90 ، 272 . وقارن معه :
د . مصطفى نظيف : الحسن بن الهيثم ، بحوثه وكشوفه النظرية ( القاهرة 1942 ) 1 / 30 وما بعدها .
د . على سامى النشار : مناهج البحث عند مفكري الإسلام ، ص 346 وما بعدها .
( 3 ) ابن الهيثم : كتاب المناظر ، تحقيق د . عبد الحميد صبرة ( قسم التراث العربي - الكويت 1983 ) 1 / 62 .