ولما وجب أن يكون هذا المنفذ بعيدا ، لم يمكن أن يكون في أحد « 1 » جهتي البدن ؛ إذ بعد الجهتين عن القلب قليل جدّا ، ولا من قدام وخلف كذلك ، ولا يمكن أن يكون في أسافل البدن ؛ إذ سنبين أن تلك الجهة يجب أن تكون ممر الفضلات ، فكان الهواء النافذ إلى القلب والروح ، يخالط جداراتها ويتكيف برائحتها . . فوجب أن يكون هذا المنفذ في أعلى « 2 » البدن ، وذلك هو الأنف .
فوجب أن يكون للهواء الوارد ، منفذ متصل بالأنف إلى قرب القلب ، وأن يكون مستحصفا « 3 » ، لئلا يتفرق منه الهواء النافذ ، وذلك : قصبة الرئة .
ويجب أن يكون هناك خزانة يتحفظ فيها الهواء الوارد ؛ ليتعدّل وينفذ منها إلى القلب بقدر الكفاية في ترويحاته المتتابعة « 4 » ؛ إن انقطع الوارد ، لامتناع من الاستنشاق عند استعمال غذاء ، أو اشتغال بكلام أو كراهة بذلك الهواء - كالقرب من الجيف - أو لفساده كما عند الحصول على هواء عفن .
ويجب أن تكون هذه الخزانة متخلخلة ؛ ليتفرق الهواء في جرمها ، فيكون فعلها فيها أتمّ وأقوى . ويجب أن تكون بالقرب من القلب ، وهذا هو : الرئة .
ثم الهواء ليس يمكن أن يكون بطبعه ينفذ إلى القلب ؛ إذ قد بينّا في كتب أخرى ، أن الهواء بطبعه الحركة إلى جهة فوق ، فوجب أن يكون هناك ما يقسره على النزول إلى القلب ، فوجب أن تكون الأجسام المحيطة بالقلب ، بحيث « 5 » تنبسط حتى يتسع الفضاء المحيط به ، فيجذب الهواء بالضرورة لاضطرار الخلاء ، وأن يكون لها أن تنقبض ليخرج الهواء الذي قد تسخّن وبطلت فائدته بعصرها له ، وليخرج بعد ما يخلو « 6 » من جوهر الروح ، لئلا يضرها ويكدرها بمخالطته .
ولا شك أن حركة الانقباض مضادة لحركة الانبساط ، والحركات المتضادة لا يمكن أن تصدر إلّا عن إرادة . فيجب أن تكون هذه الحركة إرادية . فاحتيج ضرورة
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل ، والصواب ( إحدى ) .
( 2 ) في الأصل : أعلا .
( 3 ) الحصيف في اللغة ، المحكم الذي لا خلل فيه ، يقال « ثوب حصيف » إذا كان محكم النسج ، والمستحصف :
الضيق الشديد ( لسان العرب 1 / 654 ) .
( 4 ) العبارة مقروءة بصعوبة في الأصل .
( 5 ) في الأصل : أن .
( 6 ) غير واضحة في الأصل .