عزبت « 1 » أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء ، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى ، فلا يفهمون ما هو عليه من اتقان خلقته ، وحسن صنعته ، وصواب هيئته .
وربما وقف بعضهم على الشيء يجهل سببه ، والأرب فيه « 2 » ، فيسرع إلى ذمه ووصفه بالإحالة والخطأ ، كالذي أقدمت عليه المنانيّة « 3 » الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال المعلّلين أنفسهم بالمحال ، فيحقّ على من أنعم اللّه عليه بمعرفته ، وهداه لدينه ، ووفّقه لتأمل التدبير في صنعة الخلائق ، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التقدير « 4 » ، بالدلالة القائمة الدالة على صانعها ، أن يكثر حمد اللّه مولاه على ذلك ، ويرغب اليه في الثبات عليه والزيادة منه فإنّه ( جلّ اسمه ) يقول :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
« 5 » .
هامش
( 1 ) - عزب الشيء : بعد عنّي وغاب وخفي ( مجمع البحرين ) .
( 2 ) - الإرب : الحاجة ( أقرب الموارد ) .
( 3 ) - المانويّة - البحار . والمانوية : فرقة من الثنويّة أصحاب ماني الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير ، وأحدث دينا بين المجوسية والنصرانية ، وكان يقول بنبوة المسيح - على نبينا وآله وعليه السّلام - ولا يقول بنبوة موسى - على نبينا وآله وعليه السّلام - وزعم أن العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة ، وهؤلاء ينسبون الخيرات إلى النور ، والشرور إلى الظلمة ، وينسبون خلق السباع والمؤذيات والعقارب والحيّات إلى الظلمة ، فأشار ( عليه السّلام ) إلى فساد وهمهم بأنّ هذا لجهلهم بمصالح هذه السباع والعقارب والحيّات التي يزعمون أنّها من الشرور التي لا يليق بالحكيم خلقها ( بيان البحار ) .
( 4 ) - وصواب التعبير - البحار .
( 5 ) - إبراهيم 14 : 7 .