وتردنا ملاحظة هامة عندما سأل الحنفاء : بم عرفتم معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات ؟ والحسّ ما دلّكم والدليل ما أرشدكم إليه ؟ كان جوابهم : عرفنا وجودها وتعرّفنا أحوالها من عاذيمون وهرمس : شيث وإدريس عليهما السلام « 1 » .
إذن ، لم يكن نمو الحقل الطبي المعرفي العربي خاضعا لعوامله وإمكانياته الداخلية ، فمن المؤكّد أنّ استفادته من الموروث القديم كان هائلا عن طريق الترجمة في عصر التدوين ، ومن المهمّ التعرّف إلى دور بعض الأطباء القدامى ودورهم في إدخال المفاهيم الهرمسية ضمن مبادئ الصناعة الطبية ، ويأتي في مقدّمتهم وعلى رأسهم :
أبو الحسن ثابت بن قرة الحرّاني ( 221 - 288 ه ) :
هذا العالم الرياضي الكبير ، كان في بداية أمره صيرفيا بمسقط رأسه ( حرّان ) « 2 » ، ثمّ دخل في خدمة « محمد بن موسى بن شاكر » الذي ألحقه في جملة المنجمين لخدمة « الخليفة المعتضد » ( ت 289 ه / 902 م ) وذلك لفصاحته ، وحسن اطّلاعه على العلوم والمعارف الهندسية والفلكية والمنطقية ، وهو أوّل صابئي يتبوّأ مكانة رفيعة في البلاط العباسي ، وكان يمتلك قدرات علمية رائعة جعلته يتفوّق في علوم متعدّدة ومنها : الصناعة الطبية ، حتّى وصفه « ابن أبي أصيبعة » قائلا : [ لم يكن في زمان ثابت بن قرة من يماثله في صناعة الطب ولا في غيره من جميع أجزاء الفلسفة ، وله تصانيف مشهورة
هامش
( 1 ) المصدر السابق - ص 127 .
( 2 ) حران : (Carrhae) مدينة قديمة في تركبا ما بين النهرين ، موطن إبراهيم الخليل بعد هجرته من أور ، واشتهرت بعلماء الصابئة من فلاسفة وأطباء ومترجمين وكتبة ( المنجد في الأعلام - ص 214 ) .