الفصل الأول في ماهيّة الحمام وأفعاله مطلقا
لما كان هذا الحيوان طائرا « 1 » ، فهو لا محالة : حارّ يابس . إذ قد دلّلنا على أنّ مزاج الطيّور ، يجب أن يكون « 2 » كذلك . وإذ هو يأكل الحبّ ، فهو - لا محالة - أقلّ حرارة مما يأكل اللّحم . وإذ هو قوىّ الطيران ، فهو أشدّ حرارة ويبوسة مما هو ضعيف الطيران كالدّجاج « 3 » . وإذ هو برّىّ ، فهو أقلّ رطوبة مما هو مائىّ « 4 » وإذ هو يألف النّاس ، فمزاجه قريب جدّا من مزاج الإنسان .
فلذلك ، كان الحمام أقرب إلى الاعتدال مما يشابهه من الطيور البرّيّة الآكلة للحبّ ، القويّة الطيران ، إلّا أنّ الدّجاج أعدل منه ؛ لأنّ الدّجاج ليس بقوىّ الطيران . وكلّ حيوان قوىّ الطيران ؛ فإنه لا بد وأن يكون من شأنه أن تتولّد فيه رطوبات كثيرة ، تتحلّل بحركة الطيران ، ولا يكون التحليل في « 5 » رطوباته الأصليّة ، وإلّا كان يخفّ بسرعة .
فلذلك ، هذا الحيوان إذا منع من الطيران ، أو كان - بعد - لم يقو عليه ، فلا شكّ أنّ هذه الرّطوبات تبقى فيه متوفّرة ؛ فلذلك تكثر فيه الفضول . فلذلك كانت الطيور المحبوسة في الأقفاص - جميعها - كثيرة الفضول ، ولذلك تكثر بها الأمراض « 6 » ، ولا كذلك الطيور المطلوقة .
هامش
( 1 ) يلاحظ هنا أن العلاء ( ابن النفيس ) يستخدم كلمة الحيوان بمعنى الكائن الحي ، لا بالمعنى المعاصر ، الذي يفرّق بين الإنسان والحيوان والطيور والحشرات . . فكلّ هذه تعنى : الحيوان . ومن هنا جعل الجاحظ كتابه بعنوان الحيوان وجعل الدميري كتابه بعنوان حياة الحيوان الكبرى وغير ذلك من الأمثلة الدالة على استخدام القدماء للكلمة ، بمعنى : الكائن الحي .
( 2 ) : . تكون .
( 3 ) هناك مناظرة علمية طريفة في تراثنا ، جرت - عن بعد - بين ابن بطلان وابن المطران فيما إذا كان الحمام أحرّ ، أم الفروج ! وقد وضعا الرسائل العلمية في هذا الموضوع ، حتى صار الأمر مبحثا - في الطبيعيات والطب - من المباحث المشهورة في تاريخ العلم العربي .
( 4 ) : . ماى .
( 5 ) : . من !
( 6 ) مطموسة في ه .