وهذا مما مكنه أن ينصرف إلى توحيد قوى الوطن العربي المشتت فاستولى أولا على منبج « وتسلم الحصن ، فصعد اليه ، وجلس يستعرض أموال حاكمها ابن حسان وذخائره ، فكان في جملة أمواله ثلاثمائة ألف دينار ، ومن الفضة والآنية الذهبية ، والأسلحة والذخائر ما يناهز ألفي ألف دينار « 1 » . ومن طريف ما حدث أن حانت من السلطان التفاتة فرأى على الأكياس والآنية مكتوبا « يوسف » فسأل عن هذا الاسم ، فقيل له : ولد يحبه ويؤثره اسمه « يوسف » كان يدخر هذه الأموال له ، فقال السلطان : أنا يوسف ، وقد أخذت ما خبئ لي ، فتعجب الناس من ذلك « 2 » .
ثم استولى على عزاز ، ولما فرغ من أمرها حقد على من بحلب لما فعلوه من أمر الحشيشية ، وتعاونهم معهم ، فسار حتى نزل على حلب خامس عشر ذي الحجة وضربت خيمته على رأس الياروقية « 3 » فوق جبل جوشن ، وجبى أموالها ، وأقطع ضياعها ، وضيق على أهلها ولم يفسح لعسكره في مقاتلتها ، بل كان يمنع أن يدخل إليها شيء أو يخرج منها أحد « 4 » . وهكذا دانت له المدينة وكان دخوله إلى حلب الفعلي في السادس والعشرين من المحرم سنة سبع وسبعين وخمسمائة أي قبل مولد ابن العديم بعشر سنوات .
ويبدو أن الحلبيين لم يرحبوا بصلاح الدين كما فعل الدمشقيون ، وقد حكى العماد الاصفهاني كاتب صلاح الدين قال « لما حصلنا داخل حلب ، أخذنا برأي العدل ابن العجمي وجعلنا في بيت ، ومنع منا غلماننا ، ولم يحضر لنا طعام ولا مصباح ، وبتنا في أنكد عيش « 5 » » .
على أن السلطان بعد الاستيلاء على المدينة لم يلبث أن جعل فيها ولده الملك الظاهر ، وكان صبيا . وولى القلعة سيف الدين « يازكوج الأسدي « 6 » » وجعله يرقب مصالح ولده . ثم ولى عليها أخاه « الملك العادل » لمصلحة رآها صلاح الدين ، لكن « علم الدين
هامش
( 1 ) كتاب الروضتين لأبي شامة : ج 2 ، ص 656 .
( 2 ) المصدر السابق نفسه .
( 3 ) محلة كبيرة بظاهر حلب ، تنسب إلى ياروق التركماني أحد رجال نور الدين محمود ، توفى عام 564 ه .
( معجم البلدان : ج 8 ، ص 490 ) .
( 4 ) كتاب الروضتين لأبي شامة : ج 2 ، ص 662 .
( 5 ) كتاب الروضتين لأبي شامة : ج 2 ، ص 662 .
( 6 ) كذا في الأصل وابن خلكان والروضتين ، وفي السيرة لابن شداد « بازكنج » .