فهل فتى يكشف ما نابهم * ويغنم الشكر الطويل العريض
فوالذي تعنو النواصي له * يوم وجوه الجمع سود وبيض
لولاهم لم تبد لي صفحة * ولا تصدّيت لنظم القريض
لقد أصبح الجوع يهدد الطبقة الفقيرة ، وأصبح المكدي يقنع بأي نوع من أنواع الطعام وان كان نذرا أو رخيصا ، انه يطالب الأغنياء بقوة وكأن له عليهم حقا :
أريد منكم شواء * وجردقا وعصيدة
فإن فلا ، فرقاق * به توارى الهنيدة « 1 »
أو لم ذا ولا ذا * فشبعة من ثريدة
فإن تعذّرن طرا * فعجوة ونهيدة « 2 »
اذن إن أطعمة العرب في العصر البويهي كما رأينا ما زالت في تنوع وتطوير وما زالت الأسواق تمتلئ بالحوانيت ، وقد عرضت فيها أصناف الحلوى التي وصفها الهمذاني بشكل مغر وأنواع الشواء الذي ينهمك الشواؤون في اعداده بهمة ونشاط ، وعيون الشعب ترمقه . وهذه الطبقة المكدية الفقيرة تشتم رائحته وترمق جوذاباته وقد تسايل العرق منها ، فينسكب عرقها ويسيل لعابها ولا بد لها من الكدية أو الحيلة . وفي بغداد نفسها في أسواقها وفي بيوت التجار والأغنياء ولا نقول الأمراء تصنع المضيرة والعصيدة وغيرها من ألوان الطبخ النفيسة ، ويكثر لحمها وتتعدد أبزارها وتوابلها كما سنرى في تحقيقنا لكتاب « الوصلة » ، ويمد الخوان في بيوت الأغنياء ويؤتى بالطسوت والأباريق النادرة ، وبالمناديل المطرزة الفاخرة التي نسجت في بلد وصنعت وزخرفت في بلد آخر ، والتي لا ينحدر مستواها لأن تطرح بين يدي العامة بل تخزن في الصندوق لنفاستها ، ولا تخرج إلا لكبراء القوم وأغنيائهم . إنهم الظراف من الأضياف .
يا للترف ! ألا يذكرنا ذاك العصر بعصرنا هذا ، وما يموج فيه من تفاوت طبقي ما بين غني ممتلئ متخم ، وفقير مشرد معدم ، ثم أليس مجتمعنا هذا سوى انعكاس لما كان يجري ويدور في عهد الآباء والأجداد ؟
هامش
( 1 ) الهنيدة : من هند فلانا ، إذا شتمه قبيحا ، أو شتم فاحتمل وأمسك عن شتم الشاتم .
( 2 ) النهيدة : الزبدة الضخمة - الأبيات من الرسالة - 14 - من مقامات الحريري .